27 Dec 2013
التعليم الديني في المؤسَّسات التربويَّة: مدارس المبرات نموذجاً
التعليم الديني في المؤسَّسات التربويَّة: مدارس المبرات نموذجاً

تتعدَّد النظريات المتعلّقة بموضوع التعليم الديني في المؤسسات التربوية، فهناك من يعتبر أن التربية الدينية جزء لا يتجزأ من العملية التربوية. وعليه، فإنها يجب أن تكون من أسس هذه العملية، ومن أبرز ركائزها، ولكن هذا الطرح يواجه برفض مطلق، على اعتبار أنَّ المدرسة هي مكان للتّعليم الأكاديمي البحت، بعيداً من موضوع التربية الدينية التي قد يحصّلها الطالب من محيطه الاجتماعي والعائلي.

بين هذين الطرحين، سنحاول في هذا التحقيق أن نبحث في واقع التربية الدينية في المدارس وأهدافها، من خلال تجربة مدارس المبرات في هذا الإطار.

التزكية والتعليم

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[الجمعة: 2]. انطلاقاً من مبدأ التزكية والتعليم، يشدّد مدير دائرة الإشراف الديني في جمعية المبرات الخيرية، فضيلة الشيخ فؤاد خريس، على أهمية أن تترافق العملية التعليمية الأكاديمية مع التربية الدينية العقائدية، بحيث تكون مادة التربية الدينية ضمن المناهج التربوية الدراسية، مشيراً إلى تجربة جمعية المبرات في هذا الإطار، فيقول: "تسعى جمعية المبرات التي تعمل بروحية مؤسّسها العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض)، إلى تحقيق تنشئة دينية سليمة لطلابها، من خلال مناهجها التعليمية المتميّزة، التي تقوم على مبدأ ترغيب الطالب وجذبه إلى الإسلام، وتحفيزه على الارتقاء في مستوى الالتزام الديني. لذا، تحرص مدارس المبرات، من خلال الجهاز التعليمي الإداري والتربوي، على مواكبة هذه العملية، عن طريق الالتزام بهذه المفاهيم التي تعلّمها للطلاب، فعندما يتعلّم الطالب قيمة الصدق من خلال الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، لا بدّ من أن يرى نماذج تتحلى بهذه القيمة، وتساهم في ترسيخها، كالأستاذ مثلاً، الذي يجب أن يكون مثالاً يحتذى به في الأخلاق والسلوكيات الحسنة. باختصار، نحن نسعى إلى تقديم مناهج دينية مميزة تترافق مع تطبيق متميز من العاملين، ما يؤدي إلى نتائج إيجابية".

التعاون بين الأهل والمدرسة

يشدد فضيلة الشيخ فؤاد خريس على مبدأ التعاون والشراكة مع الأهل، من أجل تحقيق كامل أهداف التربية الدينية في المؤسسة التربوية: "نحن نؤكد من خلال اللقاءات الدورية مع الأهل، واللقاءات التربوية العامة، أهمية التعاون بين الأهل والمدرسة، انطلاقاً من حرصنا على تأكيد مبدأ الأسوة الحسنة، فيكون الأهل مصداقاً لهذه الآية، والنموذج العملي الذي يقتدى به في هذه الحياة".

تجربة التعليم الديني في المبرات

يتحدَّث مشرف التعليم الديني في مدارس المبرات، الدكتور وليد حمود، عن تجربة التعليم الديني فيها، معتبراً أن المبرات حققت نقلة نوعية في التعليم الديني، فبات سمة هذه المدارس التي استطاعت أن تعمّم تجربتها على مستوى لبنان والخارج، في عدد من البلدان العربية، وحتى الأجنبية.

وعن مرتكزات العملية التعليميَّة، يلفت حمود إلى وجود عدة محاور تعمل عليها دائرة الإشراف الديني المركزية في الجمعية، وفي مقدمتها المناهج: "نسعى إلى استثمار أهم المستجدات على الصعيد التربوي، وتوظيفها في خدمة المناهج الدينية التي نحافظ على مجالاتها الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة ببناء المعرفة، والتثقيف، والتوعية الدينية المرتبطة بالبناء العقائدي للطلاب، وبتكوين معرفة فقهية لديهم، والتي تخولهم التعاطي مع ظروف الحياة كافة بطريقة شرعية تنسجم مع تعاليم الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن موضوع الثقافة القرآنية والتاريخية، الذي يساعدهم على التحرك بما ينسجم مع رسالات السماء".

ويضيف حمود: "مقاربة المبرات لهذه العناوين هي مقاربة غير تقليدية، لأننا ابتعدنا عن الإسقاط ولغة الوعظ، وأعطينا فرصة للطالب لإجراء معالجة لهذه النصوص وتفسيرها، وبالتالي، أخذ الموقف منها بشكل فردي أو جماعي، انطلاقاً من خلفيته الدينية والفكرية. كذلك، اعتمدنا على تفاعل المتعلم معه، والحوار، والنقد المباشر، فالتعليم الديني في المبرات هو تعلم مبني على التقصي المستند إلى مشاكل للوصول إلى خلاصات ونتائج".

وحول خصوصية التعليم الديني في مدارس المبرات، يشير حمود إلى أن التجربة تميزت بإعداد الكتب الدينية التعليمية، ودخول الأنشطة التأملية إلى مادة التربية الدينية، فضلاً عن مشاركة طلاب المبرات في العديد من الأنشطة، مع طلاب من ديانات مختلفة، بهدف تعزيز روحية الانفتاح، وقبول الاختلاف، وإدارة التنوع، مشدداً على أهمية التنمية المستدامة للمعلم، على المستوى الفكري والثقافي، من خلال مقررات تدريبية وورش عمل يوفرها لهم معهد "إقرأ" بشكل دوري. ويختم حمود بالقول: "التعليم الديني في المبرات هو تعليم منفتح يعبر عن قبول فعلي بالتعددية، وليس نظرياً، كما يعبر عن قبول الاختلاف، والانفتاح بشكل واقعي، فالمتعلم في المبرات يخضع لاختبار فعلي مع الآخر، كيف يحاوره، وكيف يشارك معه في أنشطة متعددة".

تجربتا "بذور الإيمان" و"براعم الإيمان"

أثمرت تجربة التعليم الديني في مدارس المبرات، كتباً خاصة بمادة التربية الدينية، للمرحلتين الأولى والثانية، وهي تعكس في مضمونها رؤية المبرات المعاصرة في مجال التربية والتعليم. تشرح منسقة مشروع إعداد الكتب الإسلامية، الأستاذة آيات نور الدين، الأسباب التي دفعت إلى إعداد كتب تربية إسلامية خاصة بمدارس المبرات: "كان الهدف الأساسي للمشروع هو استثمار التطور الحاصل في المجال التربوي، وإدخاله إلى مادة التربية الدينية، فقد انطلقنا من الرؤية التربوية لجمعية المبرات في عملية تقييم المناهج الدينية المعتمدة، وجرى بعدها تحديد مستوى التفاوت بين الرؤيا والمناهج التي تسعى الكتب الجديدة إلى تغطيته". وتوضح نور الدين الآلية المتبعة في صياغة كتاب مادة التربية الدينية: "هناك خصوصية لكل حلقة دراسية، والأساس هو كيفية تقديم الأفكار، والطرائق والاستراتيجيات المناسبة لتقديمها، فننطلق من الأهداف والكفايات، لنقدم المعارف الدينية بحسب المراحل العمرية للطلاب.

والمحور الأول والأساس في كلّ الصفوف، كيف نقدم الله سبحانه تعالى، وكيف نبني علاقة معه، فنبدأ من رياض الأطفال، لأن الدراسات التربوية تؤكد ضرورة إدخال القيم التي يرغب المعلم أو المربي في تعزيزها، في المراحل الأولى للتعليم. ولعل التحدي الأكبر الذي واجهنا، هو كيف نجعل التلميذ شريكاً في إنتاج المعلومة التي نريد، وكيف يفكّر من خلال استراتيجية المعلومات وآلية تطبيقها، يترافق ذلك مع توجيه الطالب على المستوى النفسي والوجداني والعملاني والفكري والعقلي، حتى يبني الفكرة المطلوبة".

وتشير الأستاذة آيات نور الدين إلى أن المبرات تسعى إلى استكمال سلسلة "بذور الإيمان" و"براعم الإيمان"، لتشمل كل المراحل الدراسية، وبخاصة في ظلّ الصدى الإيجابي الذي تلقاه هذه الكتب في عدد من البلدان العربية والأوروبية، في المراكز التي تقدم دروساً دينية توعوية للمسلمين.

ما هي مواصفات أستاذ التربية الدينية؟

تتحدث مشرفة التربية الإسلامية والقرآن الكريم في مدارس المبرات، الأستاذة مرفت صفاوي، عن مواصفات معلم التربية الدينية: "لا تختلف هذه المواصفات عن مواصفات الأستاذ العادي، إلا أن من يدرّس التربية الدينية، عليه أن يمتلك شخصية لديها القدرة على جذب اهتمام التلميذ، وإقناعه، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها، وخصوصاً في هذا العصر الذي بات فيه الطالب يمتلك مفاتيح المعرفة، من خلال دخوله إلى المواقع المتعددة عبر شبكة الإنترنت.

هذا الموضوع بات يشكل تحدياً حقيقياً للأستاذ، الذي لم تعد مهمته مقتصرة على تعليم الأحكام الفقهية والسيرة النبوية والنظريات الإسلامية فقط، بل تشمل مسؤولية زرع الوعي الديني في أذهان الطلاب، للتعاطي مع كل ما يحيط بهم من منطلق إدراك أهميته وخطورته، بعيداً عن مصطلحي: يجوز أو لا يجوز".

لم تعد مهمة أستاذ التربية الدينية مقتصرة على تعليم الأحكام الفقهية فقط، بل تقع على عاتقه أيضاً مسؤولية زرع الوعي في أذهان الطلاب وتضيف صفاوي: "على الأستاذ أن يمتلك الصدر الرحب، وأن يكون لديه الاستعداد لسماع كل أنواع الأسئلة التي يطرحها الطلاب، وأن يقدم الأجوبة المقنعة لهم، لأن الأجوبة غير المقنعة يكون لها غالباً تأثيرات سلبية في المستقبل". وحول أساليب التدريس المعتمدة في مادة التربية الإسلامية، تشير صفاوي إلى أن "مدارس المبرات تعتمد أسلوباً متميزاً في تعليم هذه المادة، فلم يعد التعليم يعتمد على الكتاب والورقة والقلم فقط، بل تتضمن المادة الكثير ممن الأنشطة التي تحث الطالب على الاكتشاف والتقصي والبحث، مستخدماً وسيلة الإنترنت لتحقيق أهدافه التعليمية، إضافةً إلى إحياء المناسبات الإسلامية، من خلال إعداد المجسمات، وإقامة الاحتفالات التي تلقى تفاعلاً كبيراً من الطلاب الذين يحضّرون لها بكثير من الفن والإبداع".

وفي الختام أعزائي القرّاء، وفي ضوء تجربة مدرس المبرات، يمكن القول إن التعليم الديني ضرورة في المؤسسات التربوية. وعلى المناهج الدينية المتبعة أن تكون واعية ومنفتحة، تقدم للطالب في مختلف المراحل العمرية ما يتناسب مع تلك المراحل والأعمار، وصولاً إلى الهدف المنشود، وهو بناء جيل إسلامي رسالي منفتح على الآخر، بقدر قربه من الله تعالى ومعرفته به.

بينات

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل