03 Dec 2013
هل ستنتهي الحقيبة المدرسية؟
هل ستنتهي الحقيبة المدرسية؟

إذا كنت تفتش في هذا المقال على بصيص أمل ينهي معاناة أطفالك من حمل الحقيبة المدرسية، فاسمح لي من البداية أن أبلغك بأنها باقية اليوم وغدًا، ولن تحال إلى التقاعد، لكنها تشهد تطورًا يقضي على مهمتها الحالية كوسيلة لممارسة رفع الأثقال وكمال الأجسام، ويجعلها تواكب العصر الذي جعل ذاكرة الفلاش قادرة على استيعاب ملايين الصفحات.

الكتاب الرقمي 

حينما ظهر الكتاب الرقمي، اعتقد الكثيرون أن الكتب المدرسية في طريقها إلى الزوال، ومعها الحقيبة المدرسية التي يبغضونها، وجرت تجارب في بعض دول العالم للتعامل مع هذا التطور، فجربت مدرسة في الدنمارك استخدام الأيباد، بديلاً عن الكتب والدفاتر، ولكنها اكتشفت أن كتابة نصوص طويلة على الكمبيوتر اللوحي ليس بالأمر اليسير، كما واجهت صعوبة في تشغيل بعض البرامج على هذا الجهاز الأنيق، فقررت التخلي عنه، والعمل على اللابتوب. والحديث عن التخلص من الكتب المدرسية والدفاتر والأقلام، ربما يداعب خيال الكثيرين باعتباره نهاية المتاعب، ونقلة حضارية تغير واقع التعليم في عالمنا العربي، وتجعلنا في مصاف الدول المتقدمة، ولكن من يتدبر الأمر يدرك أن القضية أكبر بكثير من تحويل نص ورقي إلى نص رقمي.

يشير تقرير دنماركي إلى أن البداية تكون بتطوير المناهج، بربطها بالواقع اليومي للطلاب، أي أن المحتوى يسبق وسيلة العرض، كما أن مواصفات النص الورقي، تختلف عن مواصفات النص الرقمي، والإمكانيات التي يوفرها الكمبيوتر، من إدخال روابط بمراجع أخرى، وأفلام فيديو تعليمية، تحتاج قبل ذلك إلى تدريب المعلمين، وإلى الحصول على حقوق استخدام البرامج بطريقة قانونية، وهي أمور لا يفيد التعجل فيها، لأنها ستتحول عندئذ إلى واقع مزيف.

واقع الحقيبة المدرسية

رغم التحذيرات المستمرة والمتكررة من خطورة استخدام حقائب مدرسية غير صحية، وعواقب ذلك على العمود الفقري للطفل، الذي لم يكتمل نموه بعد، فنادرًا ما نجد ولي الأمر المستعد برحابة صدر لدفع مبلغ مرتفع ثمنًا للحقيبة، التي تتوفر فيها المواصفات الصحية المطلوبة، والتي لا تقتصر على خفة الوزن، بل إن ذلك المعيار يمكن أن يكون دليلاً على سوء المواصفات، لافتقادها إلى بعض المكونات الهامة، حسب رأي البعض. وإذا كان أولياء الأمور الأوروبيون مستعدين لدفع ما يعادل 500 – 1000 ريال ثمنًا للحقيبة المدرسية، فإنهم في الوقت ذاته يحرصون على استعمالها لعدة سنوات، طالما أن المواصفات تتناسب مع أعمار الطلاب، وطالما كانت تتسع لكتبهم، أما من لا يقدر على دفع هذا المبلغ، فإنه يفضل شراء حقيبة جيدة مستعملة، عن شراء حقيبة جديدة ورخيصة بمواصفات سيئة.

ما نراه من حقائب يجرها الطالب وراءه، أو من حمل الحقيبة في اليد، بدلاً من أن تكون فوق ظهر الطالب، وغير ذلك من البدائل غير الصحية–حسب التحذيرات-، ناهيك عن حمل الكتب في أكياس بلاستيكية أو أكياس من القماش أو حمل الكتب مباشرة في اليد، فإنها تمثل ظواهر خاطئة من الناحية الصحية، علاوة على ما يتسبب فيه ذلك من تمزق للكتب والدفاتر.

آراء ونصائح

من يرجع إلى الدراسات الكثيرة، التي صدرت بشأن الحقيبة المدرسية، يجد الكثير من النصائح، التي يمكن تلخيصها في القواعد التالية: القاعدة الأولى هي أن (كل جرام له وزنه)، أي أنه لا يجب أن يدخل الحقيبة إلا ما هو ضروري، ولا يجوز أن تتحول إلى مخزن لأشياء، ترافق الطالب في ذهابه وعودته دون مبرر مدرسي، مثل حمل أجهزة الألعاب (جيم بوي وغيره)، أو زجاجات المشروبات، أو أي كتاب أو دفتر أو حتى أقلام، لا يحتاج إليها. والقاعدة الثانية هي ضرورة وجود نسخ من الكتب ثقيلة الوزن في الصف، بحيث لا يحملها الطلاب معهم، بل تبقى نسخة في البيت وأخرى في المدرسة، خاصة أن المعتاد في الدول الأوروبية أن يتم الاحتفاظ بالكتب المدرسية عامًا بعد عام، لأن الطالب يلتزم بالمحافظة عليها، وإعادتها إلى مكتبة المدرسة في نهاية العام الدراسي، وبذلك تتوفر نسخ كافية.

والقاعدة الثالثة هي أن وزن الحقيبة ومحتواها، يجب أن يتراوح بين 10 – 12 في المئة من وزن الطالب، فإذا كان وزن الحقيبة مثلا 1,2 كيلو جرام، ووزن الكتب والأقلام والطعام أيضًا 1,2 كيلو جرام أخرى، فإن المجموع يكون 2,4 كيلو جرام، وهو ما يتناسب مع وزن تلميذ في الصف الأول الابتدائي. والقاعدة الرابعة أن يكون وضع الكتب والدفاتر في الحقيبة، مسؤولية الطالب نفسه، وفي حين يكون ذلك تحت إشراف أحد الوالدين في الصفين الأول والثاني الابتدائيين، فإن ينبغي للطالب بعد ذلك أن يقوم بهذه المهمة بمفرده، فيتعلم من أخطائه، لكن يمكن لولي الأمر أن يقوم كل أسبوعين، بمراجعة محتوى الحقيبة مع الطالب، للتأكد من عدم وجود أي أثقال لا مبرر لوجودها.

القاعدة الخامسة: يجب إشراك الطالب في اختيار حقيبته المدرسية، حتى يكون راضيًا عن لونها وشكلها، مما يجعله أكثر حرصًا على حملها، بشرط أن تتوافر فيها المواصفات الصحية، ومنها: - لا يزيد عرضها عن عرض ظهر الطفل. - تتسع لتوزيع الكتب فيها بصورة متوازنة.

القاعدة السادسة: يجب أن يكون حمل الحقيبة بالطريقة الصحيحة، أي على الظهر، بعد شد الحزامين الخلفيين، لتبقى الحقيبة مرفوعة بمحاذاة الكتفين، وبشرط توزيع الأوزان داخلها بطريقة متساوية، مع وضع الكتب الثقيلة في المكان الملاصق للظهر مباشرة.

كل النصائح هراء؟

في دراسة حديثة لجامعة سارلاند، أعربت مجموعة من العلماء عن عدم صحة ما يشاع عن مخاطر الحقيبة المدرسية الثقيلة، بل زعموا أنها تساعد على بناء العضلات، واعتبروا أن كل ما يشاع عن أضرار على العمود الفقري، والشكاوى من الصداع وآلام الأقدام، كلها عبارة عن أوهام، وشددوا على أن اشتراط ألا يزيد وزن الحقيبة عن 10 في المئة من وزن الطالب، لا يعتمد على دراسات طبية. وأعلن فريق البحث الذي يضم علماء في أمراض العظام، والأعصاب وفي علم الأحياء البشري، وفي علوم الرياضة البدنية، وفي العلاج الطبيعي، أنه بناء على الدراسات التي أجراها البروفيسور فريتس أوفه نيتهارد، رئيس مستشفى جامعة آخن المرموقة، فإنه لا يوجد أي سند طبي واحد لحدوث مضاعفات طبية، عند حمل حقيبة ثقيلة.

وأجرى فريق البحث تجربة على 60 طالبًا وطالبة، حيث قاموا بوزن كل واحد منهم، وقياس تأثير حمل حقيبة ثقيلة الوزن عليه، بعد المشي بها لمدة ربع ساعة متواصلة، مع تجاوز بعض العقبات في الطريق، وتبين للفريق عدم وجود أي تأثير على الجسم، وأن العضلات لم تتعب بشكل ملحوظ. وتبين للعلماء أن التأثير يظهر فقط، عندما يبلغ وزن الحقيبة ما يعادل ثلث وزن جسم الطالب، وعندها يتغير شكل العمود الفقري، ويحدث الشد العضلي، لأن العضلات تسعى لعمل توازن في الجسم، للتخفيف عن العمود الفقري. وتوصل رئيس المشروع البروفيسور إدوارد شميدت، المتخصص في العظام، أنه ما من تأثير سلبي على العمود الفقري للطفل.

ويضيف البروفيسور شميدت قائلاً إنه في ظل قلة حركة الأطفال والشباب في هذا العصر، فإن حمل حقيبة ثقيلة لفترة قصيرة، يساهم في تقوية عضلات البطن والظهر، وطالما أنه من المؤكد أن الطالب لن يحمل الحقيبة طوال اليوم، فإن فترات الحركة بها، يمكن اعتبارها تمرينًا مفيدًا للجسم. وبحث العلماء عن مصدر القاعدة القائلة بضرورة ألا يزيد وزن الحقيبة المدرسية عن 15 في المئة من وزن الطالب، وتوصلوا إلى أنها تعود إلى فترة الحرب العالمية الأولى، ولكنها كانت تتعلق بالوزن الذي يمكن للمجند أن يسير به لمسافة لا تقل عن عشرين كيلو مترًا، وهو أمر لا يمكن تطبيقه على الحقيبة المدرسية، التي يحملها الطالب لمسافات أقل من ذلك بكثير.

مجلة المعرفة السعوديّة

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل