20 Sep 2013
المصارف ليست من أصدقاء المكفوفين
المصارف ليست من أصدقاء المكفوفين

المشاكل التي تعترض الكفيف في حياته اليومية كثيرة في مجتمعنا، منها التعامل مع المال والمصروف. ففيما يخشى المكفوفون من عمليات الاحتيال التي يتعرّضون لها خلال استخدام الأوراق المالية، يفتقرون أيضاً إلى آلية واضحة من قبل المصارف تتيح لهم فتح حساب والتصرّف به


توقف سناء سيارة أجرة، وتتفق مسبقاً مع سائقها على أن تدفع له مبلغ خمسة آلاف ليرة، شرط أن يوصلها أمام بيتها. يلاحظ السائق أن الزبونة تعاني مشكلة في النظر، فيوافق على شرطها. عندما تصل، تدفع له ورقة من فئة العشرين ألفاً، فيعيد لها مجموعة أوراق لم تستطع تمييزها في البداية. وضعتها في محفظتها، ولم تعرف، إلا بعدما دخلت البيت، أن السائق أعاد لها خمسة آلاف ليرة فقط. لقد استطاع هذا السائق أن ينصب عليها بسهولة، رغم أنها ضعيفة البصر، «فماذا لو كنت كفيفة كلياً؟» سألت الشابة العشرينية.

هذه الحادثة جعلتها تتذكر كل الهواجس التي رافقت علاقتها مع المال، منذ أن بدأت تتكل على نفسها في استخدامه. كيف أوجدت الحلول رغم قلّتها، وكيف يجد زملاؤها حلولهم؟ وخصوصاً أن لا تسهيلات تتيح لهم تمييز فئات العملة، الواحدة عن الأخرى، إلا بالأحجام. فتجربة وضع الأحرف النافرة (برايل) على العملات لم تكن ناجحة، لأن تداول المال من شخص إلى آخر محاها مع الوقت.

يلجأ بعض المكفوفين إلى حفظ ترتيب أموالهم داخل محفظتهم، وتقسيمها بطريقة تجعل من السهل عليهم أن يدفعوا المال بأنفسهم، كما تفعل فاطمة. وطبعاً، تضع ضمن احتمالاتها أنها قد تدفع أكثر مما طلب منها «أحاول عندها أن أعطيه العملة الأقرب إلى السعر الذي طلبه كي لا يغدرني بالكثير إذا كان نصاباً» تقولها ضاحكة. أما ميلاد، فبإمكانه أن يميّز الأوراق المالية من خلال حجم كل منها، إذ استطاع أن يحفظها مع مرور الوقت، رغم وجود أوراق متساوية في الحجم مثل الألف والخمسة آلاف، أو الـ 10 والـ 20 ألفاً. جيلبير، من جهته، استفاد من التكنولوجيا الموجودة التي يوفّرها له جهاز الـ«آي فون». فهناك برنامجان يحدّدان له قيمة العملة بمجرد وضعها أمام الكاميرا. وقد يكون الحلّ الأخير هو الأفضل، لكنه ليس في متناول الجميع. فليس الجميع قادرين على اقتناء جهاز «آي فون»، أو شراء هذين البرنامجين.

يعتقد الكثير من المكفوفين أن الحلّ يمكنه أن يكون أسهل اليوم، من خلال الدفع عبر بطاقة المصرف، أو تسهيل سحب المال من خلالها في حال توفير آلات صوتية. لكن عقبات كثيرة تحول دون هذا الحل، تتمثّل في الشروط المعقدة التي تضعها المصارف اللبنانية في وجه المكفوفين الراغبين في فتح حساب خاص بهم، بحجة حمايتهم من الاستغلال. ويردّد عدد من المكفوفين أن هذه الشروط وضعتها جمعية المصارف إثر حادثة تعرّض لها كفيف. إذ ادّعى الأخير على أحد المصارف بأنه استغله وجعله يوقّع على ورقة تفيد بأنه سحب جميع ما يملك، من دون أن يعلم مضمون الورقة التي وقّع عليها، وبذلك فقد رصيده. بناءً عليه، صار الكفيف يخضع للقرار ذاته الذي يمنع كلّ من لا يستطيع القراءة أو الكتابة أن يفتح حساباً إلا في حالتين: وجود شاهدين يشهدان على عمليتي السحب أو الإيداع، أو توكيل شخص ينوب عنه في جميع العمليات. وهو قرار يرى فيه المتعلّمون من المكفوفين إهانة، لأنه يساويهم بالأميين. إلا أن أكثر من مصرفي سألتهم «الأخبار»، يرون أن هذه الشروط تحمي الكفيف من التعرّض لأي استغلال.

قد يمكن الموافقة على هذا الأمر، في حال كانت المصارف تطبّق أحد هذين الحلين بشكل واضح الآليات. لكن المشكلة تكمن في الفوضى واختلاف الشروط باختلاف المصارف. مثلاً، يحدّد كل مصرف الشروط الواجب توافرها في الشهود وفق هواه.
فيسمح البعض بأن يكون الشاهدان موظفين من داخل البنك، أو زبونين صودف وجودهما فيه، فيما يشترط البعض الآخر أن يكونا من الأقارب، وأحياناً يفرض على الكفيف أن يبقي الشاهدين نفسيهما كلما رغب في إجراء معاملة مصرفية، ما يعقّد أموره. وهناك مصارف تجاهلت موضوع الشهود أصلاً ... وهنا يضحك أحدهم قائلاً «عندها، يكون الزبون محرزاً وهم الذين يركضون وراءه ليفتح الحساب عندهم». وبسبب هذه الفوضى، صار هناك مصارف تناقض نفسها، أو لا تكلّف نفسها عناء الشرح للزبون، ليكون المتضرّر الوحيد من كل ذلك هو الكفيف. تروي إحداهنّ أنّها عندما توجّهت لتفتح حساباً لها في أحد المصارف، قال لها الموظف إنها يجب أن توكل شخصاً ينوب عنها في كلّ المعاملات. وبسبب حاجتها الماسّة لهذا الحساب، ذهبت إلى الكاتب العدل وعمدت الى توكيل والدها. وعندما عادت إلى المصرف، لامها الموظف نفسه على هذه الفكرة، موضحاً أنه كان يمكنها من البداية فتح حساب «مع /أو». حتى عندما أحضر الموظف الأوراق، لتبصم عليها الزبونة، لم يقرأ لها مضمونها. ليتبّين لاحقاً أنها لا تستطيع القيام بأية معاملة مصرفية، كما لا يمكنها الحصول على بطاقة ... فلم تستفد منه.

قراءة الأوراق هذه، كانت الحجة التي قدّمها موظف آخر ليرفض فتح حساب لكفيف. إذ قال له، بعدما قدّم له وكالة، إنه لن يفتح له الحساب لأن عليه قبلاً أن يوقّع على تسع أوراق «ولا وقت معي لأقرأها لك». فأجابه «هذا يعني أنك تنتظر الزبون الصحيح النظر ليقرأها؟»، متسائلاً: لماذا لا تقدّم هذه الأوراق بلغة البرايل لنقرأها ونعرف علامَ نوقّع؟
يحاول الناشط في حركة المعوقين، ابراهيم عبد الله، منذ فترة إيجاد حل لهذه المشكلة. ويقوم اليوم بالتواصل مع جمعية المصارف والمصرف المركزي اللذين أعربا عن استعدادهما للمساعدة، شرط إيجاد الآلية الفضلى للطرفين. لذا، يعمد إبراهيم الى التنسيق مع عدد من المكفوفين الذين لديهم معرفة بإجراءات دول الغرب للتوصل إلى تلك الآلية التي تصون المكفوفين وتحمي المصارف.

روان الأمين / الأخبار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل