16 Sep 2013
من يحمي الأهالي من "مافيات" الكتاب المدرسي؟
من يحمي الأهالي من "مافيات" الكتاب المدرسي؟

"أسعار الكتب متل النار"، "دبحونا"، "لوين واصلين؟"... تتفاوت ردود فعل الأهالي، وسرعان ما تعبس ملامحهم ما إن يحين دورهم على "الصندوق" لتسديد الفاتورة. من "يسعّر" الكتاب المدرسي ويضبط كلفته؟ ماذا وراء العلاقة بين مديري المدارس ودور النشر؟...

...وكأنّ الأهالي لم يكن ينقصهم إلى جانب الهمّ الأمني والمعيشي، إلّا إرتفاع أسعار الكتب المدرسية. مع إنطلاقة العام الدراسي، مشهد مشترك وحَّد المكتبات في مختلف المناطق اللبنانية، أهالي يتأفّفون من غلاء "غير مبرّر" للكتب، ويسألون: "ويني الدولة؟"

تعمل "ميلادة" منذ 11 عاماً في قسم بيع الكتب في إحدى المكتبات، وتخبر "الجمهورية": "باتت كلفة لائحة الكتب للتلميذ الواحد تتراوح ما بين 300 و700 ألف ليرة لبنانية، لذا بات الأهالي يتهافتون على الكتب المستعملة". وتضيف: "لكن، حتى "المستعملة" لم تعد تشكّل الملاذ الآمن نظراً إلى استحداث الطبعات سنوياً لبعض الكتب، ممّا زاد الطين بلّة، ومنع الأخوة من تبادل الكتب المستعملة أو الاستفادة من بيعها".

أمين عام المدارس الكاثوليكية

"لا نتدخل في "التسعير" وإلّا تحوّلنا إلى سماسرة". بهذه العبارة يختصر الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار موقفه من إرتفاع أسعار الكتب المحلّية، معرباً عن سخطه لوجود "ترف فوق اللزوم في بعض المدارس عوضاً من البساطة المتينة". ويوضح في حديث لـ"الجمهورية": "المدارس الخاصة التي تتبع المنهج الأجنبي، ملزمة إتباع الكتب الأجنبية، لذا غالباً ما تكون باهظة الثمن.

أمّا بالنسبة إلى المنهج اللبناني، فأتمنى الوصول إلى مرحلة داخل الأمانة العامة نوجّه فيها المدارس نحو كتب محدّدة، ولكن حتى الآن كلّ مدرسة بالتعاون مع مكتبها التربوي ومنسّق المادة تختار كتبها ودور النشر". ويضيف: "من جهتنا نتدخل إذا وجدنا في الكتاب ما يتعارض مع المبادئ الوطنية والأخلاقية".

في هذا الإطار، يؤكّد عازار "أنه لا يمكن أن تلجأ دور النشر سنوياً إلى نشر طبعة جديدة"، قائلاً: "لا يجوز إطلاقاً أن تحمل كل سنة طبعات جديدة، صحيح أنه لا يمكن تجميد الكتاب المدرسي، ولا سيّما أنّ العلم في حركة مستمرّة، لكن على دور النشر التحلّي برؤية تمتد على مدى 4 و5 سنوات لتجنّب التعديلات الطفيفة والتخفيف من الأعباء الملقاة على عاتق الأهالي".

نعمة محفوض

من جهته، ينتقد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض "المزايدة الحاصلة بين المدارس"، فيسأل مستغرباً: "هل ما عاد يصلح التعليم إلّا بالإعتماد على دور نشر إلمانية، فرنسية، أميركية؟ إلى هذا الحد ما عاد بوسع اللبنانيين تأليف كتاب ينسجم والمعايير العلمية المعتمدة؟"

ويرفض محفوض في حديث إلى "الجمهورية"، التعميم، مكتفياً بتوجيه الملامة إلى بعض المدارس، فيقول متعجّباً: "بعض الإدارات عوضاً من أن تفتح "سوبرماركات" إستحصلت على رخصة مدرسة، من هنا نطرح علامة إستفهام حول العلاقة التجارية بين بعض المديرين وأصحاب دور النشر".

ويضيف: "تربوياً، لا ننكر ضرورة تبديل الكتاب المدرسي أو تعديله كلّ خمس سنوات، نظراً إلى التغيّرات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة، ولكن التغيير السنوي في لبنان يثير الدهشة والشكوك حول وجود مصالح شخصية بين بعض الإدارات وأصحاب دور النشر".

من هنا فضّل محفوض لو تمّ تمرير العام الدراسي "من دون إستحداث طبعات جديدة مراعاة للظروف الإقتصادية الصعبة، خصوصاً أنّ التعديلات السنوية غالباً ما تكون شكلية، غير جوهرية".

أين وزارة الاقتصاد؟

وسط توجيه الأهالي أصابع الإتهام الى وزارة الاقتصاد، وتحميلها مسؤولية رفع أسعار الكتب، يوضح المدير العام للوزارة فؤاد فليفل، "أنّ الوزارة لا تحدّد أسعار الكتب المحلية، إنّما تتبلّغ الأسعار التي تقدّمها نقابة الناشرين المدرسيّين، وأحياناً قد تطلب إعادة النظر في كلفة أحد الكتب الباهظة".

ويوضح فليفل لـ"الجمهورية" دور الوزارة: " يتركّز دورنا في التأكّد والتدقيق في أسعار الكتب المعتمدة في نقاط البيع من خلال جولات تفقّدية ينفّذها المراقبون، وفي حال وجود مخالفة يُسجَّل محضر ضبط ويتحوّل إلى النيابة العامة، كما قد تتحرّك الوزارة عند تلقّيها شكوى في نقطة بيع معيّنة".

نقيب الناشرين المدرسيّين

لماذا ارتفعت أسعار الكتب المدرسية هذا العام؟ سؤال، يحاول رئيس نقابة الناشرين المدرسيّين في لبنان إلياس سعد الإجابة عنه، موضحاً عبر "الجمهورية": "منذ عامين ارتفعت الأجور، الإيجارات، المحروقات، المواد الغذائية... بلغت نسبة الغلاء نحو 20 في المئة على كلّ السلع والأصناف باستثناء الكتاب المدرسي.

دخلنا العام المنصرم في مفاوضات مع وزارة الاقتصاد، طالبنا بزيادة 18 في المئة على أسعار الكتب، إلّا أنّنا لم نتوصّل إلى اتفاق، فأخذنا على عاتقنا تحمّل الأعباء. لكن هذه السنة ما عاد بوسعنا تحمّل التكاليف الباهظة، وكأيّ مؤسّسة تضطرّ إلى رفع الاسعار لتتمكّن من تغطية مصاريفها، توصّلنا مع الوزارة بعد جهد جهيد، إلى زيادة لا تتجاوز 6.25 في المئة على الكتب المدرسية لسنة 2013".

من يحدّد أسعار الكتب؟ وكيف؟

يوضح سعد "أنّ هذه الزيادة استجدّت فقط على الكتب المحلية الصادرة عن دور نشر لبنانية، على عكس الكتاب الوطني الصادر عن المركز التربوي والذي حافظ على سعره المنخفض. أمّا الكتب المستوردة فلا علاقة للنقابة في تسعيرها، فتُباع كما هي مسعّرة في الخارج".

أمّا بالنسبة إلى الجهة التي "تسعّر" الكتاب المحلّي، فيجيب سعد: "ضمن نقابة الناشرين المدرسيّين لجنة مؤلّفة من اختصاصيّين، فنّيين، تقنيّين، مهمّتها تسعير كلّ الكتب المدرسية الصادرة عن دور النشر (عددها نحو 70)، من ثمَّ تُقدّم نسختين مرفقتين بجدول الأسعار الى النقابة التي بدورها ترفعها إلى وزارة الاقتصاد لنيل الموافقة عليها".

في هذا الإطار، يؤكّد سعد أنّ أسُس "التسعير" واحدة موحّدة بعيداً من المحسوبيات والعلاقات الشخصية، قائلاً: "سنوياً نضع جدولاً للأسعار، يشمل كلفة الورق، الطباعة، الإخراج، الحبر، الكرتون، الرسومات... وهنا لا بدّ من الإشارة إلى انّ المواد المستعملة في تصنيع الكتاب وإنتاجه، بمعظمها مستوردة من الخارج، ممّا يزيد من الكلفة".

وردّاً على الشكوك المثارة حول تقصّد بعض دور النشر نشرَ طبعات جديدة سنوياً، يقول سعد: "لا شكّ في أنّ إعادة النظر في مضمون الكتب أساسية، ولكن هذا لا يمنع أنّ بعض دور النشر قد يُغلّب المنحى التجاري على المنحى التربوي، فيبالغ في تجديد الكتب، لذا أحمّل إدارة المدرسة المسؤولية الكبرى".

ويلفت سعد إلى أنّ دور النشر كغيرها من المؤسّسات، منها الجيّدة ومنها المضرّة، قائلاً: "أحمّل مدير المدرسة وضميره المهني المسؤولية، فدار النشر لا يفرض كتبه، إنّما الإدارة هي التي تختار كتبها والجهة الناشرة، لذا قد "تعاقب" أيّ ناشر عبر مقاطعتها منشوراته".

ويضيف: "إدارة المدرسة مصفاة، عليها اختيار الأجود والأفضل وما ينسجم مع مقدرة طلّابها، من دون أن نغفل دور لجان الأهل وتأثيرهم في خيارات الإدارة، ولكنّ المؤسف أنّ الجميع يرفضون تحمّل المسؤولية". ما الحلّ؟

وسط معاناة الأهالي و"الإستنزاف" الإقتصادي الذي يعتصرهم على عتبة العام الدراسي، يبقى السؤال: ما الحلّ؟

• لا يخفي عازار رغبته في التوصّل إلى كتاب وطني جيد من حيث المضمون وبسعر مقبول. وناشد المركز التربوي للبحوث والإنماء القيامَ بحملة لتجديد المناهج بالتعاون مع القطاع الخاص، قائلاً: "نقدّر الكتاب الوطني، إلّا أنه لا يزال في حاجة إلى عمل حثيث. كما لا ننكر أنّ المركز التربوي يقوم بجهود جبّارة، ولكن لا بد من التعاون مع القطاع الخاص لتعزيز جودة الكتب في شكل متكامل ومواكب للتطوّر العلمي".

• يطلق محفوض صرخة إلى الأهالي، "مش شاطرين إلّا بالنَقّ"، منبّهاً في الوقت عينه لدورهم الأساس عبر لجان الأهل. ويقول: "90 في المئة من اللجان في المدارس الخاصة لا تمثّل الأهل، مع العلم أنّ القانون 515 أعطى هذه اللجنة قوّة فاعلة، إذ لا يمكن للإدارة رفع موازنتها ما لم تنل توقيع لجنة الأهل، كما بإمكان هذه اللجنة مناقشة الإدارة في هواجسها وتقديم اقتراحاتها، من هنا على ذوي الطلّاب إنتخاب مَن يمثّلهم حقيقة".

• ويقترح محفوض حلّاً عمليّاً، قائلاً: "نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وحيث أنّ التعديلات شكلية وليست جوهرية في بعض الكتب، بوسع المدرّس أن يرفق التعديلات المستحدثة عبر "بوليكوبي" خاص مستقلّ عوضاً من تكبيد الأهالي كلفة شراء كتاب بنسخة جديدة".

(ناتالي اقليموس - الجمهورية)

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل