03 Sep 2013
الهرمل: حياة معلقة على «ما سيحدث»
الهرمل: حياة معلقة على «ما سيحدث»

يبتسم مدير إحدى المدارس الخاصة في الهرمل بمرارة وهو يروي كيف طلب منه بعض الأهالي تأمين كمامة ضد الأسلحة الكيميائية لكل تلميذ.

كان المدير يؤشر إلى درجة التخوف التي يشعر بها البعض في المدينة. مدينة الهرمل التي نهض أهلها ذات يوم ليجدوا أنفسهم في قلب الأحداث الدائرة من حولهم، وبالتحديد على حدودهم المفتوحة مع الجارة السورية. تلك الجارة التي طالما كانت طرقهم مفتوحة عليها في طبابتهم وتسوقهم، وحتى مشاويرهم الترفيهية، أكثر مما هي سالكة نحو الوطن المفترض وعاصمته.

فالهرمل التي عبرت الحرب الأهلية من دون أن تشهد أحداثاً تذكر، لم تذق الأهوال. عدوان تموز نفسه الذي هجّر غالبية أهل تلك المنطقة نحو سوريا، مرّ عابراً نسبياً خلال ثلاثة وثلاثين يوماً.
تغيرت الأحوال في الهرمل. بدأ التغيير الأول مع الصواريخ العشوائية العمياء التي قتلت لولو عواد، صبية السبعة عشر عاماً على سفرة درج منزلها، وأصابت منازل كثيرة نجا أهلها بأعجوبة. الصواريخ نفسها أصابت «مدرسة المبرات الخيرية» التي تحوي ألفاً ومئتي تلميذ، معظمهم من الأيتام، بينهم أربعمئة تلميذ داخلي.
ر يومها، عمدت إدارة «المبرات» إلى حماية التلاميذ عبر نقلهم إلى ملجئها، وهو الوحيد في كل المنطقة. جاء الإرباك من الأهالي الذين تهافتوا إلى المدرسة متسببين بإقفال الطريق الوحيدة التي تسمح بنقل أي جريح محتمل. ترجم الناس يومها قلة إلمامهم بالتصرف خلال الحروب. ناس لم يعتادوا التأقلم مع القصف.

بالإضافة إلى الأمن الحياتي، تدهور الأمن الاقتصادي والمعيشي الهش جداً في منطقة نائية ومحرومة تاريخياً. هنا، تندر الوظائف في جهاز الدولة، وتنعدم المشاريع الإنمائية. يحصل هذا في بلد الوصم. وصمة المخدرات ونزلاء سجن روميه، ومواجهات العشائر التي تستنفر على بعضها البعض من وقت إلى آخر، فيما لا يخرج رجال قوى الأمن الداخلي من مخفرهم إلا بعد التأكد من أن الأمور استتبت، وعاد المسلحون إلى أحيائهم.

لم تشهد الهرمل حوادث خطف وفدية على غرار نحو خمسين حالة خطف شهدتها البلاد، وتمت «بنجاح» بالنسبة إلى مخطط الخاطفين، لكن الطريق إليها تعبر البقاع كله. وعليه، لم ينفع جمال العاصي وواديه، النهر الغزير الوحيد والنظيف في لبنان، ولا رياضتا «الكاياك» أو «الرافتينغ» المائيتان، ولا سمك الترويت، في جذب السياح وتشجيعهم على قطع كل تلك المسافات للتمتع بمنطقة ما زالت تعتبر خاماً. جرد الهرمل نفسه، ومساحاته العذراء فقد رواده المستجدين منذ أربع أو خمس سنوات. حتى أن احد مشاريع السياحة البيئية فيه لم ينصب خيمه هذا الصيف. وكل ذلك بسبب الأمن «المحلي»، والتوتر المنسحب على كامل رقعة الوطن.

تغيّرت الأحوال في الهرمل. استجدّ التغيير الثاني مع المتفجرة الأولى التي استهدفت منطقة بئر العبد في الضاحية. المسلحون في سوريا أعلنوا الهرمل من بين «بنك» أهداف المناطق المستهدفة. ومع متفجرتي مدخل الهرمل عند حاجز الجيش على المحطة بين رأس بعلبك والمدينة، وتفجيرات الضاحية وطرابلس، لم يعد الخطر مجرد تخوّف، أصبح هاجساً أمنياً واقعياً وخططاً بوشر بتنفيذها، وتفرض ضرورة التعايش والتعامل معها.

يأخذ الهاجس الأمني بعداً درامتيكياً في الهرمل، ربطاً بما يحصل في الضاحية، نافذة النزوح «الهرملي»، كما الجنوبي، نحو بيروت. يعيش أهالي الهرمل اليوم الشعور نفسه الذي عاشه أهالي الجنوب عندما استهدفت الضاحية في عدوان تموز، فنزحوا نحو مناطق أخرى. يومها كان النزوح مؤقتاً وابن ساعته ومربوطاً بمدة العدوان، ومظللاً بشعور وطني عام مختلف عما هو حاصل اليوم.

ومع التغيير الثاني، طالب أهالي بعض المدارس بوضع حواجز أمنية على مفترقات الطرق المؤدية إليها تجنباً لوصول سيارات متفجرة قد تستهدف التجمعات، وإن كانوا أطفالاً. «المفجرون ليس لديهم دين أو أخلاق، ولا شيء يمنع من يقتل المصلين في طرابلس أن يقتل التلامذة في الهرمل»، قالوا للمدير. هذا لا يعني أن أهالي الهرمل يفكرون في النزوح، ولا قدرة لهم كلهم على ذلك. عندما «تحز المحزوزية» ستجد الخطاب واحداً «نحن مع المقاومة، ومستعدون لتحمل كل ما يجري». ليس الموقف غريباً عن مدينة الشهداء التي قصد أبناؤها الحدود الجنوبية وحملوا السلاح. لكن المواقف الاستراتيجية أمر، واليوميات المعاشة، وموسم المدارس الذي أعلن عن مباشرته الإثنين المقبل، مع بداية أيلول، أمر آخر. هنا أصبح السؤال: «هل سيكون هناك عام دراسي في الهرمل؟ كيف سنرسل أولادنا على الطرق؟ وماذا نفعل بألف ومئتي تلميذ في المبرة المستهدفة من القاصفين على ما يبدو؟

تغيرت الأحوال في الهرمل. استجدّ التغيير الثالث مع الحديث عن خطر الأسلحة الكيميائية بعد استعمالها في غوطة الشام، ومعها التهديد بانتشار رقعة استعمالها بغض النظر عن واقعيته وإمكانيته وصحته. فالقلق والخوف لا يتوقفان، وكذلك الشائعات، عند إمكانية حصول ذلك أم لا. الناس تقلق وتخاف على أولادها، وتتخيل أحياناً أسوأ سيناريو ممكن.

تغيرت الأحوال في الهرمل. تعمق التغيير الرابع مع الإعلان عن القرار الأميركي بالعدوان على سوريا. لا يهم هنا دقة الصواريخ التي ستطلق من البحر، ولا أهداف الطائرات. أهالي الهرمل يسألون، كما غيرهم من اللبنانيين، عن حجم ما سيحدث وحدوده ومدى قوته واتساع رقعته، وحصة لبنان من تطورات الأحداث في سوريا، وأيضاً عن حصتهم، كمنطقة حدودية منه. حدود لا يميز بينها الناس، أبناء الأرض، ليثقوا أن الصواريخ ستعرف أو ستختار أياً منها سورية وأيها لبنانية، وخصوصاً لدى التداخل الكبير.

وفي خضم التغييرات الأربعة، أو على الأرجح المخاوف ومصادر القلق الأربعة، يحل العام الدراسي في الهرمل. تلامذة لم ينهوا عامهم الدراسي الماضي بسبب التعطيل لمدة شهرين، وجدوا أنفسهم أمام استكمال نحو عشرين في المئة من مناهج السنة الفائتة وأمام تحدي بداية الموسم الحالي.

يقول مدير «ثانوية الهرمل الرسمية» مخلص أمهز إن «الإدارة ملتزمة بمذكرة وزارة التربية»، ستفتح المدرسة أبوابها للأعمال الإدارية والتسجيل يوم الاثنين المقبل، على أمل أن تباشر تدريس العام الحالي في الثالث والعشرين من أيلول الجاري. يأمل أمهز أن تسمح الأحوال الأمنية بتنفيذ الخطط «إذا صار شي وما نزل صواريخ، ولم يحدث أي شيء أمني، إذا الله أراد». ستعوض المدرسة عبر ساعات عمل إضافية المناهج العلمية للأول والثاني الثانوي، تفادياً لتراكم الدروس وإضعاف مستوى الطلاب الذين يتحضرون للشهادة الرسمية الثانوية.

يقول أمهز إن المدرسة أمّنت البدل المادي للأساتذة و«لكننا نتمنى أن تسمح الظروف باستكمال خططنا». الخطط التي لم تستكمل حتى مع اعتماد سياسة «اليوم السادس» (أي التدريس في يوم العطلة) ولم تعوّض ما فات الطلاب بسبب الصواريخ.

وتنحو «مدرسة المستقبل» المنحى نفسه في محاولة تعويض عدم استكمال مناهج العام الماضي. يقول مدير المدرسة محمد شمص إن «المستقبل» ستباشر دروسها الاثنين المقبل بالنسبة إلى تلامذة العام الماضي، لكونها اعتمدت في الترفيع نتائج الفصلين الأول والثاني لدى اضطرار المدارس إلى بتر العام الدراسي السابق.

مع ذلك، يربط شمص مصير القرار، قرار كل مدارس الهرمل، بما يمكن أن يحصل «في الأمن والظروف في المنطقة». ويلمس شمص رغبة لدى الأهالي بالتريث بإرسال أولادهم إلى المدارس خصوصاً الأطفال من بينهم «الصواريخ العشوائية، والتفجيرات تستهدف التجمّعات، وليس هناك منطقة أو منشأة بحد ذاتها يمكن تجنبها. لذا، يخاف الناس، فلا أحد يعرف أين يمكن أن ينزل الصاروخ». ويصف شمص الوضع بـ«الصعب على الهرمل التي لم يعتد أهلها على ظروف مماثلة، حتى في عدوان تموز».

ويثقل الهاجس الأمني نفسه على مدير «مدرسة المبرات الخيرية» محمد سعيّد، كما على مديري المدارس الأخرى ومسؤوليها. ولكن لسعيّد هم أكبر. تعتبر «المبرات» مستهدفة لكونها أُصيبت بصاروخ خلال العام الدراسي الماضي، وسقط أكثر من صاروخ في محيطها. تحتوي المؤسسة على 1200 تلميذ بينهم أربعمئة تلميذ داخلي. يقول سعيّد إن المدرسة ستعقد جمعية عمومية للأهالي صباح غد الأحد وستضعهم في صورة الأوضاع وستبلغهم قرارها بفتح أبوابها الاثنين المقبل، لتترك لهم القرار في إرسال أبنائهم أم لا «وعلى مسؤوليتهم».

يؤكد سعيّد، ورداً على مطالبة البعض بنقل المدرسة من مكانها، أن «لا مبنى في الهرمل يمكنه أن يستوعب هذا العدد من التلامذة. يضاف إلى ذلك مبنى المنامة الذي يضم أربعمئة تلميذ. ماذا أفعل بهم ومن أين أجهز مبنى مماثلاً ومطبخاً وكل المنشآت المرافقة؟». قد تعمد المدرسة إلى إعادة تلامذة القسم الداخلي من الهرمل إلى منازلهم يومياً ريثما تستقر الأوضاع، أي معاملتهم كما الخارجي، و«لكن لا يمكننا فعل الأمر نفسه مع الآتين من خارجها».

ويختم سعيّد بالقول إن المدرسة ملتزمة بقراري وزارة التربية والشؤون الاجتماعية وستفتح أبوابها الاثنين لتعويض مناهج العام الماضي، فيما تستأنف دروس العام الجديد في الموعد الرسمي المحدد، وان القرار يعود للأهالي بالنسبة إلى إرسال أولادهم.

لا يجتمع اثنان في الهرمل إلا ويكون الوضع الأمني ثالثهما. فجأة، وجدت المنطقة نفسها، ودفعة واحدة، أمام أربعة أخطار محتملة. صواريخ وتفجيرات وكيماوي، كما استجد الحديث، والعدوان الأميركي على جارتها، وحصتها منه. يقولون إن هناك إقبالاً على البصل لكونهم يسمعون أنه يساعد في التخفيف من أثر الأسلحة الكيميائية. من يبني بيتاً توقف عن استكماله في انتظار ما سيحدث. بعض من يريد أن يتزوج أجّل زواجه. «لن نشتري سيارة جديدة قبل جلاء الأمور». النتيجة أن حياة بأكملها صارت معلقة «في انتظار ما سيحدث».

سعدى علوه / السفير

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل