02 Sep 2013
العام الدراسي بين الهم والأثر
العام الدراسي بين الهم والأثر

يُهل العام الدراسي فتحل على الناس كثرةُ همومه وتبعاته، وقليل من التطلعات لثمراته، أما التبعات فلا يخلو منها والد ولا مولود، ولا موظف ولا معلم، وأما التطلعات فلكونها بعيدة المنال، تذكر قليلاً ولكن بعد تأمل، مع أن الأصل أن تذكر كثيراً لتنسي التبِعات، فإن المرء إذا عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، أو كما تقول الحكمة الأدبية: ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر..

نعم العام الدراسي عناءٌ يجعل البيت كله يحمل هماً وجهداً مشتركاً، إلا أن هذا الهم الذي يعبر عنه الكتاب كثيراً، والآباء والأمهات أكثر، ويعبر عنه العاملون في هذا الميدان على استحياء؛ لأنه مصدر رزقهم، وذلك ينسيهم ما يبذلون إن لم يكونوا متلذذين بهذه المهنة الشريفة العظيمة التي عبر عنها شوقي صادقاً بقوله:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجل مِن الذي يُبني وينشئ أنفُساً وعقولا
بغض النظر عن إبراهيم طوقان ومعارضته غير السديدة.
نعم إن المعلمين بل المربين هم أقل الناس هماً في هذه المهمة التي هي مهمة الرجال الكُمل، الذين على أيديهم تبنى الحضارات، وتكبر الأمم، وتسمو إلى العلياء، وتنافس الكبار، وتسبق الصغار، إنهم آباء الأرواح والعقول، وصُناع المجد والفَخَار، إنهم الذين تُسلم إليهم أفلاذ الأكباد، ويؤتمنون على الأولاد، فهم أحق بالهم، وأجدر أن يكون العام الدراسي لهم عامَ هم بالليل وكدح بالنهار.
أما الليل فبالتحصيل والتنظير والتصور والتخطيط لما سيقدمه في غده لأبناء عقله ولُبه، من علم نافع بأسلوب ماتع، وأما النهار فبعدم التواني بالبذل، أو الخلود إلى الراحة بحجة أنه قد ألقى التبِعة بالعرض من غير فرض، ولا يعنيه أن بلغ محِله، أو أثمر ينعه. لا، هذا أسلوب من لا يراعي الأمانة، ولا يحفظ العهد الذي أخذه عليه العليم الحكيم من التبيين {لَتُبَينُنهُ لِلناسِ}. إن المعلم هو حجر الزاوية في التعليم، فإذا لم يكن بالمستوى المنشود فلا تسأل عن نتائج، ولا ترج خيراً من النتاج كما قال شوقي:
وإذا المعلم ساءَ لحظ بصيرةٍ جاءت على يده البصائر حولا
إذاً فما السبيل لأن نجعل العام الدارسي عام هم للمعلم، حتى يُمنينا بأفلاذ الأكباد ليكونوا خير زاد للآباء والأمهات والأجداد؟ لعل تصوري وأنا لست بعيداً عن هذا الحقل، فقد عايشته كثيراً في مراحل التعليم المتوسط والعالي فلم أجد أنسب من ثلاثة أشياء: أولاً: حسن اختيار المعلمين، ثم مواصلة صقل مواهبهم من الجهات الراعية من غير كلل ولا بخل ولا تساهل.
ثانيا: بعث الروح التربوية في المعلم؛ لئلا يكون غرضه من هذه المهمة الجُلى العيش فقط، بل أن يُنشئ جيلاً يعرف له قدره ومنزلته، ويجعله أباً لكل من عرفه، فيبروه ويكرموه في دنياه وآخرته.
ثالثا: بفتح اليد لهم في العطاء؛ فهم ليسوا أقل من الأطباء، ولا من المهندسين ولا من المديرين، ولا من الضباط.. فلئن كان كل هؤلاء ذوي مهام خطيرة؛ فإن المعلمين أهم وأخطر، لا لأن العطاء يكون كفوا لبذلهم، بل لنريحهم ونستميل قلوبهم، لأنه كما قيل:
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما

كتب د.احمد بن عبدالعزيز الحداد

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل