03 Aug 2013
على مكتب "المُبَلِّغ"... "استفتاءات" و"أخطاء فقهية شائعة"
على مكتب "المُبَلِّغ"... "استفتاءات" و"أخطاء فقهية شائعة"

الشيخ عطوي: الناس يتداولون أحكاماً شرعية غريبة

على المكتب، "كدسة" اوراق: "استفتاءات". ككل يوم، منذ 40 عاما، ينتظر عضو المكتب الشرعي في "مؤسسة العلامة السيد محمد حسين فضل الله" عضو "تجمع العلماء المسلمين" الشيخ محسن عطوي وصولها بالعشرات خطيّاً، واحيانا هاتفياً. شغله اليومي هو مع مؤمنين شيعة يستوضحون مسائل فقهية، ويطرحون مرات 5 اسئلة او 10 في الرسالة الواحدة، لنيل اجوبة واضحة عنها، وفقا للشرع. في هدوء المكان، يستغرق الشيخ مفكراً، كاتباً، مجيباً. انه "المُبَلِّغ"، هكذا يُسمَّى.

"الاحتكاك بالناس" من البداية هو الذي يؤدي الى هذا الاستنتاج. "الناس يتداولون افكارا واحكاما شرعية غريبة". خلال عمله التبليغي الديني مع العلامة فضل الله، غالبًا ما لاحظ عطوي هذا "التداول"، ولا يزال. وارتفاع نسبته يعني له ان "هناك شيوعا لاحكام معينة واضح ان العلماء لم يقولوها للناس، بل الناس اعتقدوها لسبب معين". بتعبير آخر، هذه الاحكام الشرعية الغريبة هي "اخطاء فقهية شائعة".

في رصدها، حاول عطوي ان يبحث في أسباب شيوعها، "فقدَّرت ُأن بعضها يرجع إلى كونه رأياً فقهياً قديماً أعرضت عنه أغلبية الفقهاء أو المتأخّرون منهم. لكنه ظلّ متداولاً بين الناس. وكمثل على ذلك شيوع فكرة وجوب الفورية في قضاء الفرائض الفائتة.
وأن بعضاً آخر سببه اختلاط المندوب بالواجب، والمكروه بالحرام، وعدم تمييز الناس الدقيق بينهما، فاعتقد بعضهم أن مندوبات معينة هي واجبات، مثل الأذان والإقامة للصلاة، ومثل العقيقة عن المولود، كما أعتقد أن مكروهات معينة هي محرمات، مثل ذبيحة المرأة أو خروجها خلال فترة عدّة وفاة زوجها. وأن بعضاً ثالثاً سببه تسرّب فتاوى من المذاهب الأخرى وشيوعها بين جمهور الشيعة، مثل اعتقاد كثير من النساء أن نفاس المرأة يستمر 40 يوماً، أو اعتقادهم جواز مخالفة اليمين مع التزام دفع الكفّارة، إضافة إلى أسباب أخرى".

الموضوع برمته استحق من عطوي ان يجمع في كتاب(*) نحو 150 عنواناً موزعة على 13 فصلاً، ونحو 200 مسألة فقهية "شاع لها بين الناس أحكام خاطئة، فرغبت في ذكرها، تنبيهاً للصواب فيها، وإلفاتاً لإخواني من المبلّغين كي يولوها عنايتهم في أحاديثهم التوجيهية"، يقول. "الشائعات" منوعة وعديدة، وتشمل "التقليد والنجاسات والمطهّرات والوضوء والصلاة والصوم والحجّ والزواج والأسرة والطلاق والزنى والشؤون المالية، وغيرها".

في شهر رمضان، اكثر الاعتقادات الخاطئة التي يلاحظها عطوي تتعلق "بالاكل سهوا". "شاع بين الناس في شكل واسع ان تناول الصائم للمفطر سهوا موجب لبطلان الصوم. واكثر ما شاع ذلك في الصوم المستحب، وهو شائعة لا اصل لها في شريعتنا. فهما، اكل الصائم او شرب، او فعل اي مفطر آخر، ولم يكن ذلك متعمدا، بل كان عن سهو واشتباه وغفلة، فلا يبطل به الصوم، مهما كان نوعه، اكان واجبا ام مستحبا، اكان صوم رمضان ام غيره".

وفي مسائل الحج، غالبًا ما يُسأَل عن الامر نفسه: "حج الزوج السني وطواف النساء". فلما كان "طواف النساء" آخر اعمال الحج الموجبة عند الشيعة، "تعتقد شيعيات كثيرات ممن تزوجن رجالا مخالفين في المذهب "ان زوج المرأة الموالية، اذا حج ولم يطف طواف النساء، تصير زوجته حراما عليه. وهذا الاعتقاد خاطىء، لان الزوج ملتزم فقه مذهبه، وحيث لا يجب عليه طواف النساء في مذهبه، فلا تُحرم عليه زوجته. وحيث لا تلزمه هي بمذهبها، فلا يترتب عليها شيء من جراء ذلك. ويمكنها الاستمرار في علاقتها الزوجية به".

تفاصيل كثيرة يتطرق اليها عطوي. من العام 1975 وهو يدوّن الملاحظات. وفي مواقفه التوجيهية، ينبه الناس الى ان "هذا الامر ليس على هذا النحو الذي تعتقدونه". ورغم مساعيه "لتصحيح ما هو شائع خطأً، نجد ان لهذه الافكار والاحكام من الرسوخ ما يجعلها عزيزة على التقويم والتصحيح". ومع ذلك، فهو متفائل بامكان تصحيحها. "نعم الامر ممكن نسبيا. واذا عملنا بجهد حثيث، خصوصا في هذه الايام التي باتت فيها وسائل الاعلام والتثقيف والتواصل متاحة وواسعة، فمن الممكن ان يتنبه الناس الى هذا الامور ويتداركونها".
في "الاستفتاءات" الواردة يوميا، مسائل تهم النساء، واخرى الرجال، او ذات اهتمام مشترك. "لكن الملاحظ عموما ان حضور المرأة اكبر واوسع من الرجل على صعيد الاهتمام والسؤال". في شهر رمضان 2012، وصل نحو 3 آلاف رسالة، بما يعكس حجم المهمة الملقاة على كاهل "المبلغ"، من اجل التوجيه والارشاد والتوعية.
التوعية بدأها عطوي عبر حلقات اذاعية وتلفزيونية، ويثابر عليها يوميا. "المهم وضع دراسات في الفقه المقارن في مختلف الموضوعات، ويكون لها طابع شعبي وليس اكاديمي، لانه كلما سهلت تعابيرها، واختُصرت بحوثها، يفيد الناس"، يقول.
ونصيحته للمؤمنين ان "يدقّقوا في ما يتداولونه من أحاديث حول الاحكام الفقهية، فلا يلقون فتوى إلاّ بعد التأكد من صحّتها، ولا يقبلون فتوى من غيرهم الا بعد الوثوق بحسن اطلاعه على فقه الشريعة وأحكامها". هالة حمصي / جريدة النهار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل