16 Jul 2013
كبار السن يقلقون و يكتئبون
كبار السن يقلقون و يكتئبون

ظهرت نتائج دراسة تمثيليّة للمجتمع اللبناني، قام بها «مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي- إدراك» وشملت 593 شخصاً فوق الستّين عاماً، أن القلق هو أكثر الاضطرابات النفسيّة انتشاراً بين تلك الفئة، إذ بلغ معدّل القلق 12.3 في المئة، يليه الاكتئاب بنسبة 9.1 في المئة، ونسبة تناول الكحول بنسبة واحد في المئة. وبلغت نسبة المدخنين في تلك العينة 29 في المئة، وغير المدخنين 44 في المئة، والذين أقلعوا عن التدخين 27 في المئة. تشبه تلك الأرقام، وفق الطبيب النفسي للبالغين والمسنّين الدكتور جورج كرم، المعدّلات التي سجّلها العراق والدول الأوروبيّة مثل فرنسا واسبانيا، بينما يرتفع معدّل القلق والاكتئاب عند المسنين في الولايات المتحدة بسبب زيادة التوعية والحالات المشخّصة ونقص احتضان الأسر الكبار. تندرج الدراسة على المسنّين ضمن المسح الشامل الذي أجراه «مركز إدراك» بالتعاون مع «جامعة هارفارد» و«منظمة الصحة العالميّة» بين العامين 2003 و2005 على ثلاثة آلاف شخص فوق 18 عاماً، غير أن تحليل المعطيات عند المسنّين ظهر في الفترة الأخيرة من دون أن يؤثّر ذلك في دقّة الأرقام، إذ لا تغيّرات في السنوات الماضية.
وأظهرت الدراسة أن التقدّم في العمر، ومستوى التعليم، والدخل المادي، والسكن الفردي (ليس ضمن عائلة) هي عوامل غير مرتبطة بزيادة نسبة ظهور الاضطرابات النفسيّة عند المتقدّمين في العمر في لبنان.
في المقابل، كشفت دراسة أخرى، أجراها «إدراك» في السنة الماضية، على 200 شخص تتجاوز أعمارهم الستّين دخلوا المستشفى لحالات مرضيّة، أن نسبة القلق هي 33 في المئة، ونسبة الاكتئاب 29 في المئة، ما يدّل على أن الأمراض الجسديّة تزيد من نسبة حدوث الاضطرابات النفسيّة من قلق واكتئاب عند المتقدّمين في العمر. وبيّنت الأرقام أن نسبة 17 في المئة فقط من الأشخاص الذين قالوا إن لديهم اكتئاباً، وأن نسبة 12.6 في المئة فقط ممّن قالوا إنهم يشعرون بالقلق استشاروا طبيباً ويعتبرون أن صحتهم الجسديّة أهمّ من الصحة النفسيّة.
يشرح كرم أن الصحة النفسيّة والجسديّة مرتبطتان، إذ تزيد الأمراض الجسديّة من حدّة الأمراض النفسيّة. تفيد الاحصائيات العالميّة أن نسبة 80 في المئة من الأشخاص الذين يتعرّضون لجلطة دماغيّة يشعرون بالاكتئاب بعد مرور سنة بسبب تقلبات في الهرمونات التي يفرزها الدماغ، وأن نسبة 50 في المئة من الأشخاص الذين عانوا نوبة قلبيّة يتعرّضون لنوبة ثانية في غضون ستة أشهر في حال عدم علاج الاكتئاب، إذ تؤثّر الكآبة في صحّة الشرايين. ويزيد مرض باركنسون من نسبة حدوث الاكتئاب بسبب انخفاض معدّل هرمون «دوبامين».
من جهة أخرى، تؤدّي الاضطرابات النفسيّة (قلق أو اكتئاب) في حال عدم معالجتها إلى زيادة خطر الإصابة بمرض الألزهايمر، بسبب تغيّرات هرمونيّة في الدماغ. وتساهم اضطرابات الهرمونات مثل «دوبامين»، «سيروتونين»، و«نورابينفرين» في الدماغ، التي ترافق الاضطرابات النفسيّة، في زيادة معدّل الإصابة بأمراض جسديّة أخرى مثل السكّري والضغط.
يلاحظ كرم نقصاً في التوعيّة في شأن الاضطرابات النفسيّة عند الكبار في العمر في العالم وفي لبنان، إذ يعتقد البعض أن الأعراض التي يظهرها كبار السن طبيعيّة من دون التنبّه إلى أن بعض الأعراض مرضيّة يجب علاجها.
ترتكز أعراض الاكتئاب عند المتقدّمين في العمر على الانزواء، والتخلّي عن النشاطات اليوميّة، الشعور بالكآبة وعدم الشعور بالسعادة، اضطرابات في النوم، مشاكل في التركيز والذاكرة، وتوارد الأفكار الانتحاريّة. وترتكز أعراض القلق على الشعور بالتوتر، بحساسيّة مفرطة، بأمراض جسديّة غير مبرّرة.
ويلفت كرم إلى وجود لغط بين تشخيص اضطرابات الذاكرة والإصابة بالاكتئاب بسبب تشابه الأعراض الأوليّة لاضطرابات الذاكرة مع أعراض الاكتئاب ما يوجب تدريب الأطباء على التمييز بين الاكتئاب واضطرابات الذاكرة. وفي حال كان المريض يعاني الاكتئاب، يساهم العلاج في استرجاع المريض ذاكرته.
ويوجب الظهور الأوّل لحالات الفصام وثنائيّ القطب عند الأشخاص الذين تجاوزوا الستين عاماً التأكّد من عدم وجود أسباب طبيّة أدّت إلى ذلك مثل حدوث جلطة أو ورم في الدماغ أو نتيجة آثار بعض الأدوية.
ويشمل علاج الاضطرابات النفسيّة عند المتقدّمين في العمر وصف العقاقير المناسبة أو استشارة معالج نفسيّ وفق شدّة الحالة وخصائصها، من دون أن يعني ذلك أنّ كلّ شخص يظهر اضطراباً نفسيّاً يحتاج إلى دواء.
لا يؤدّي تناول الأدوية إلى الإدمان عليها، ويجب أن تؤخذ تحت اشراف طبّي، خصوصاً أن مضاعفات الأدوية الجانبيّة تظهر أكثر عند المتقدّمين في العمر. ويذكر أن بعض أدوية السكريّ وارتفاع ضغط الدمّ مثلاً يزيد من نسبة الإصابة بالاكتئاب.
ويوفّر العلاج الشفاء من المرض وتأمين نوعية حياة جيدّة للمريض. ينصح كرم الأشخاص المسنّين بالعمل والقيام بالنشاطات الاجتماعيّة والحفاظ على حياة نشيطة، إذ يعتبر التقاعد والإحساس بعدم القدرة على الإنتاج وفقـــــدان الثقة بالنـــفس من أهمّ الأسباب المرتبطة بالإصابة بالقلق أو الاكتئاب.

ملاك مكي / جريدة السفير

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل