12 Jul 2013
صرف المعلّمين: متلازمة عطلة الصيــف المدرسيّة
صرف المعلّمين: متلازمة عطلة الصيــف المدرسيّة

الصرف سيف مُصلَت على رقاب المعلمين في المدارس الخاصة في كل عام. جديد هذا العام تهويل إدارات المدارس بغلاء المعيشة وسلسلة الرتب والرواتب. التذرع بالسبب الاقتصادي في مدارس لا تعطي المعلمين حقوق الحد الأدنى.

أخطأت ماري (اسم مستعار) حين قالت إنها تنوي الزواج. لم تشفع لها 24 عاماً أمضتها في إحدى المؤسسات التربوية الخاصة، للتفلت من الاستقالة. لم تتحمل إدارة المؤسسة مثل هذا «القرار الخطير»، لما سيترتب عليه من أعباء «بتوجع الراس»: حمل ومن ثم ولادة و«لحّق على إجازات». وعندما رفضت المعلمة المتفانية التوقيع على طلب الاستقالة، انتقمت الإدارة من شقيقتيها اللتين تعملان في المؤسسة نفسها وهددتهما، علماً بأنّ إحداهما أمضت 33 سنة في خدمتهم والثانية 28 سنة!
كذلك رفض محمد (اسم مستعار) التوقيع على الاستقالة في مؤسسة تربوية ثانية، كلّفه ذلك حجز راتبه عن أشهر أيار وحزيران وتموز.
القصتان واقعيتان ولم تتم معالجتهما حتى الآن. ومع ذلك، فما إن تقرر الحديث عن مدارس خاصة لا تطبق القوانين النافذة في إعطاء المعلمين حقوقهم، تسمع جواباً جاهزاً: «هذه حال دكاكين التعليم وليس المؤسسات التربوية الخاصة التابعة للجمعيات الدينية المختلفة».
قد يكون التعميم غير جائز هنا. هذا صحيح. بل إنّ بعض المؤسسات دفعت أخيراً غلاء المعيشة لمعلميها وهي بدلات لم يقبضها معظم المعلمين في المدارس الخاصة بسبب عدم صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب حتى الآن. ولكن الصحيح أيضاً أن القوانين لا تطبق بحق أكثر من 10 آلاف معلم/ة في الدكاكين والمؤسسات من أصل 55 ألفاً!
هؤلاء المعلمون لا يتقاضون رواتب كما هو مقرر رسمياً. بل لا يتجاوز راتب المعلم في بعض الأحيان نصف الراتب المستحق له. كذلك لا يدخل التدرّج والدرجات الاستثنائية والمفعول الرجعي على الزيادات في قاموس هذه المدارس. هنا لا وجود لساعات التناقص أو الإجازة السنوية أو المرضية أو إجازة الأمومة ولا أثر لمنح الزواج أو الولادة.
وإذا كان راتب المعلم في المؤسسات التي تعطيه حقوقه القانونية قد ازداد بنسبة 20% في السنوات العشر الأخيرة، فإنّ الأقساط ارتفعت ثلاثة أضعاف خلال المدة نفسها، بحسب إحصاءات نقابة المعلمين. راتب المعلم هو أرخص «سلعة» في هذه التكاليف، يقول نقيب المعلمين نعمه محفوض.
ويبقى الصرف «مجزرة» الصيف الاعتيادية في كل مكان، إذ يسجل في كل عام صرف نحو 200 أستاذ/ة. لا فرق بين «دكان تعليم» ومؤسسة تربوية هنا. المصروفون مختلطون، بحسب محفوض. المستجد هذا العام هو التهويل بغلاء المعيشة وسلسلة الرواتب كحجة للصرف. ومِن المديرين مَن صرف نقابيين أدّوا دوراً في معركة السلسلة، علماً بأنّ المادة 29 من قانون تنظيم الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة المتعلقة بالصرف تنص على أنه «يعتبر من قبيل إساءة استعمال الحق صرف أي فرد من أفراد الهيئة التعليمية من الخدمة لتقيده بمقررات نقابته أو مطالبته بحقوق أقرها القانون». النقيب أعلن الاستعداد لمعالجة بعض حالات الصرف حبّياً، إما بعودة المؤسسات عن قرار الصرف أو بإعطاء المعلم المصروف حقوقه في التعويض الأساسي والإضافي. أما الوجه الثاني للمتابعة فهو مقاضاة بعض المؤسسات التي كانت تقتطع الحسومات من رواتب المعلمين دون تسديدها لصندوق التعويضات، وهو ما عدّه النقيب «سرقة موصوفة لأموال الصندوق». لكن المعلمين لا يثقون بنيل حقوقهم في القضاء، نظراً إلى جرجرة الدعاوى لسنوات ليست بقليلة.
قد يكون سبب الصرف أيضاً مجرد تغيير الإدارات أو انتقال رخصة المدرسة إلى مالك آخر، فيستغني الجديد عن المعلمين ذوي التعويضات الكبيرة ويستبدلهم بمعلمين برواتب ضئيلة. وفي بعض الأحيان يلجأ هؤلاء إلى إقناع القدامى بالتعاقد مع الإدارة الجديدة برواتب منخفضة، لأنّ التعويض يُحسَب على أساس الراتب الأخير. وفي تكرار لممارسة قديمة، يجبر البعض المعلمين على تقديم استقالات مسبقة، إضافة إلى إلزامهم بتوقيع براءة ذمة تفيد بأنّهم استوفوا كل حقوقهم، علماً بأنّ البعض لا يكونون قد حصلوا على كامل رواتبهم أو أنّ هناك بدلات نقل أو فروقات غير مسددة. ولكي يكتمل «النقل بالزعرور» يقتطع عدد لا يستهان به من المدارس وفق المادة 21 من القانون 6% من الراتب الشهري المستحق للمعلمين الداخلين في الملاك، لكنّهم لا يسددون المبلغ كما ينص عليه القانون لصندوق التعويضات، فهذه المؤسسات لا تدفع حتى مساهمتها في تغذية الصندوق التي تبلغ أيضاً 6%.
المعلمون يعانون من إساءة تطبيق المادة 29 التي تعطي «الحق لرئيس المدرسة بأن يصرف من الخدمة أي معلم، شرط أن يرسل إليه كتاباً مضموناً مع إشعار بالتسلم قبل الخامس من تموز». تبرر بعض المؤسسات الصرف بوجود أزمة اقتصادية، ما يعني أن المعلم لن يقدر على المطالبة بتعويض إضافي إلى تعويضه الأساسي، كما في حال الصرف التعسفي، وخصوصاً إذا تأكد القاضي من السبب بعد مراجعة سجلات المدرسة. لا يقنع هذا السبب نقابة المعلمين، إذ «ليس معقولاً أن يُصرَف 32 معلماً في سنة واحدة ومن دون سابق إنذار من مدرسة في زغرتا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدرسة الصادق ـــ العاملية التي صرفت نحو 35 معلماً هذا العام». ويسأل: «إن صح كلامهم، هل على المعلم وحده أن يتحمل وزر هذه الأزمة؟».
يشرح مدير مكتب الجمعية العاملية محمد حمادة لـ«الأخبار» أنّ الأزمة الاقتصادية في مدارس الجمعية بدأت منذ 10 سنوات، إذ لم تتحمل المؤسسة الخيرية أعباء الزيادات على رواتب المعلمين ودرجاتهم الاستثنائية ومفاعيل ردم الهوة بين القطاعات التعليمية وغيرها، ما أدى إلى تراكم العجز سنة بعد أخرى، ولم «نتمكن من أن نسدد 12% المستحقة لصندوق التعويضات ومستحقات الضمان منذ عام 2005». لذا قررت الجمعية سلوك طريق «أبغض الحلال»، على حد تعبير حمادة، ولم يكن إقفال مدرسة الصادق المجانية ترفاً، والأساتذة يعيشون جو الإقفال وخصوصاً أنّهم نفذوا إضرابات كثيرة في العام الماضي. وتعهد بإعطاء حقوق المعلمين كاملة، مع إمكان الاستعانة ببعضهم في مدارس أخرى تابعة للجمعية.
أما الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار فيضع حراك نقابة المعلمين التي تعقد مؤتمراً صحافياً بهذا الخصوص، الاثنين المقبل، في خانة «الدعاية الانتخابية الفارغة» والكلام في العموميات من دون ذكر أية حالة محددة. لا يمنع ذلك، بحسب عازار، أنّ هناك مدارس تصرف المعلمين فعلاً لأسباب مسلكية أو تربوية (كفاءة الأستاذ) أو اقتصادية. ويسأل: «كيف ستتشجع مدرسة على الارتباط مع أستاذ تكون غير قادرة على تأمين تلامذة له؟». ويقول إنّ «المدارس خائفة من السلسلة والزيادات على الرواتب». وينفي عازار أن يكون اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة يغطي بشكل من الأشكال حالات الصرف التعسفي.

المتعاقدون: مستحقّاتنا ناقصة

ليست المرة الأولى التي تقتطع فيها وزارة المال حسومات من مستحقات المتعاقدين في التعليم الثانوي الرسمي. الأمر يتكرر على الأقل مرة كل عام، والجواب نفسه يحصل عليه المتعاقدون في كل مرة يقررون فيها مراجعة المعنيين في وزارة المال: «خطأ الكمبيوتر الآلي المبرمج على طريقة لا تسمح له بالفصل بين المتعاقد وموظف الملاك». لا يقنع هذا الجواب المتعاقدين الثانويين لأنّه «لو كان الأمر كذلك لكان الخطأ المزعوم تكرر في قبض كل المستحقات المالية المقسمة على ثلاث دفعات ولا يقف عند حدود دفعة واحدة يكتشف نقصها المتعاقدون، فيرفعون الصوت لتنتبه وزارة المال إلى فعلتها».ويلفت رئيس اللجنة المركزية للمتعاقدين الثانويين حمزة منصور إلى أنّ المبالغ المقتطعة تتراوح بين 600 ألف ليرة ومليون ليرة لبنانية. يقول: «هناك قرصنة تتم عبر مسميات وهمية تأخذ شكل ضرائب تصاعدية، تقسم فيه المستحقات المالية للمتعاقدين للدفعة المفترضة على ثلاثة أشهر، ويتم بعدها احتساب هذه الدفعة وتقسيمها على ثلاثة أشهر لتصل نسبة الضريبة والقيمة المقتطعة عندها إلى 15% من قيمة الدفعة، بينما حدها الطبيعي لا يجب أن يتجاوز 2%».
ولدى مراجعة اللجنة وزارة المال، طلبت مديرة الصرفيات عليا عباس منها إحضار كتاب خطي من مدير التعليم الثانوي الرسمي يشرح المشكلة لمتابعة القضية. هنا ينفي منصور أن تكون مراجعة وزارة المال من مسؤولية المتعاقد الذي يتكبد المال والجهد في سبيل ذلك، محملاً وزارة التربية، المسؤولة المباشرة عن المتعاقدين، مسؤولية مراجعة الملف مع وزارة المال.وتشرح مصادر في وزارة التربية لـ«الأخبار» أن عدد المتعاقدين هذا العام ارتفع إلى 3500 متعاقد! والمبالغ المستحقة لهم كبيرة نسبياً، وبالتالي ليست هناك قدرة لدى الوزارة بالتدقيق في آلاف الأسماء، وخصوصاً أنّها ليست هي التي تضع الضريبة، بل يجري ذلك ضمن برنامج في وزارة المال. كذلك لا تستطيع وزارة التربية، بحسب المصادر، انتظار تصحيح الجداول لإعطاء المستحقات لكون الأمر مرتبطاً بباقي الرواتب، مؤكدة أهمية أن يكون هناك نظام دائم في وزارة المال يلحظ أوضاع هؤلاء المتعاقدين الذين يقبضون كل ثلاثة أشهر، لا كل شهر.

اللجنة النيابيّة الفرعيّة: مطبخ السلسلة؟

رفضت اللجنة الفرعية المكلفة دراسة سلسلة الرتب والرواتب اعتراض هيئات أصحاب الرساميل على مبدأ السلسلة. ممثلو هذه الهيئات اعتبروا أن السلسلة «تشكل عبئاً على الاقتصاد وتضاعف العجز، وخصوصاً أنّ الإيرادات لن تكفي لأنّ الضرائب لن تحصل». برأي اللجنة، السلسلة باتت مشروع قانون، والمفاوضات على المبدأ انتهت عند ما قرره مجلس الوزراء. لذا طلبت من الهيئات التي التقتها في الجلسة الثالثة، كما طلبت من مصرف لبنان، تقديم مذكرة علمية مفصلة بالأرقام تترجم وجهة نظرها وتبرر توجسها من تداعيات المشروع على الوضعين النقدي والاقتصادي. كذلك كانت هناك دعوة للوزراء الذين حضروا الجلسة أيضاً لأن يكونوا صوتاً واحداً يعكس وجهة نظر الحكومة.
أمس، أنهت اللجنة الاستماع الى المعنيين من حكومة وهيئات نقابية وإدارية ومالية واقتصادية حول سلسلة الرتب والرواتب، وكونت ملفاً يتضمن دراسات ومواقف وأرقاماً من مختلف المراجع. وقد أظهر النقاش تباعداً في الآراء بين الهيئات الاقتصادية والمالية وهيئة التنسيق النقابية.
لن تكون هناك تسويات. هذا ما يجزم به رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان. ويذكّر بأنّه طلب من الحكومة دراسة عن الكلفة الإجمالية المفصلة للسلسلة، علماً بأنّ المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني تحدث، أمس، عن 1699 مليار ليرة لبنانية، أي بحدود مليار ومئتي مليون دولار. وقدم بيفاني شرحاً تفصيلياً عن كيفية توزيع السلسلة بين الإداريين والمعلمين والعسكريين. والتزمت وزارة المال بأن ترسل دراسة بالأرقام، الاثنين المقبل.
ويلفت كنعان إلى أننا «تسلمنا جدولاً بإيرادات الضرائب التي ستفرض على المواطنين، بهدف تغطية نفقات السلسلة، لكنّه ليس واضحاً، لذا طلبنا أن نتسلمه بصورة رسمية كي ندرس كل رقم بجدية وشفافية ونعطي ملاحظاتنا عليه». ويشير إلى أنّ الإصلاحات التي تتحدث عنها الحكومة لم تصلنا حتى الآن، وخصوصاً أنّ الأخيرة أبلغت اللجنة أنّ إيرادات الضرائب لن تؤمن وحدها نجاح المشروع».
ويقول كنعان إنّه أبلغ المجتمعين أن الموظفين والعسكريين لا يتحملون أعباء عجز الطبقة السياسية والمسار المالي والإداري والاقتصادي غير المشجع للدولة، والمطلوب أن نجري إصلاحات ونتخذ قراراً كبيراً بإرادة سياسية جامعة لوقف الهدر وتعزيز الرقابة الذاتية، لا أن نقيم محميات في الدولة وفي الإدارات والوزارات والصناديق».
ويجدد التأكيد أننا «في مجلس النواب سنتخذ قرارات وندخل تعديلات على مشروع السلسلة، وسنعمل على تحقيق الإصلاحات، لكن ليس على حساب الموظف، لأن المشكلة ليست في الموظف الذي لا يحضر ولا يداوم، لأنه محمي سياسياً، بل في الهدر والأموال التي تذهب بسلفات ولا تدوّن ولا تدخل إلى الخزينة».
وعن اقتراح إلغاء المواد الضريبية، يجيب: «استمعنا الى رأي الهيئات النقابية وأخذنا في الاعتبار الدراسات التي أعدوها، وليس المهم ما نتسلمه من الحكومة، بل المهم أن يستطيع مطبخ المجلس من خلال اللجان إنصاف الناس من دون القفز فوق القانون، وسنأخذ في الاعتبار كل أمر يؤدي إلى إنصاف الإداريين والعسكريين».

فاتن الحاج / جريدة الأخبار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل