12 Jul 2013
الحوار والوحدة في رجل
الحوار والوحدة في رجل

في ذكرى غياب المرجع السيد محمد حسن فضل الله، مقالتي... الحوار والوحدة في رجل...

لا يجب أن يرمينا أحد بالتشاوف إن قلنا أن العقل اللبناني خصب، معطاء، منتج، متى تعملق على ذاته، وكسر الحاجز الحاجب، وأعطى لنفسه مساحة الحرية الفكرية الواجبة لزوم إنتاج أيديولوجية «خارج العلبة»، ولزوم نقض العهد الذي يقطعه البعض مع الخالق، برد عقولهم إلى خالقها بدون أدنى استعمال، حتى لو عاش على هذه البسيطة المعقدة مئة عام.
أحد رواد هذه الأيديولوجيا هو السيد محمد حسين فضل الله، الراحل منذ سنوات ثلاث، والذي احتل فكره مساحة تعتبر من أبرز المساحات على ساحة العقل الشيعي الإمامي في بلد الأرز، وفي غير بلد من خارطة الإنتشار الإمامي الإثني عشري، بل وأكثر، إذ إن تصنيف مؤلفاته كـ«خطيرة»، ومنع طلاب العلم من قراءتها والتذاكر بها في بعض الدول، على ما قاله أحد المتداخلين من بلد عربي، لهو مؤشر بارز لمدى التأثير «الهدام» للطرح «التقدمي» في الفلسفة التقليدية لمدارس النقل غير العلمي.
في ذكراه الثالثة، عقد مؤتمر حاول تناول فكر الراحل الكبير من منطلقات فلسفته الحوارية، وأطروحته الوحدوية، وتوالى على المنبر قامات كبرى في العالم الإسلامي، في حين حالت الظروف السياسية الناشئة دون وصول بعض المشاركين من دول عربية كمصر. إلا أن غزارة فكر السيد وطروحاته كانت كافية إلى حد، جعل جميع المداخلات على قدر من الجودة كبير، نظراً لأنها تفقهت بفواكه أفكاره الغناء.
هناك مذهبية طائفية وعشائرية، وليس مذهبية فكرية، فأنت تسأل المتعصب السني، ما معنى السنية، فلا يفقه، وتسأل المتعصب الشيعي، فلا يفقه أيضاً... نعاني من الإنفعال العاطفي في حديثنا مع ذواتنا ومع الآخر، السيطرة المادية تفسد الحوار، غيض من فيض السيد، الذي جعل وحده قول أمير المؤمنين علي، العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء. جاعلاً من العقل، المخاطب بالمعارف اللدنية من الحق تعالى بقوله عز من قائل وعزتي وجلالي ماخلقت خلقاً أحب إلي منك... بك أُثيب وبك أعاقب، منارة ومنهاجاً وهدى.
السيد كان مدرسة في التجديد، وتقدم في مسائل كثيرة حيث لم يجرؤ الآخرون، فقد حذف في اجتهاده شرط الذكورة من مرجع التقليد، معتمداً مساواة الرجل بالمرأة في الحقوق والواجبات، تأويلاً للآية القرآنية الكريمة «فلهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، وهو من العلماء المراجع الذين عارضوا شمولية ولاية الفقيه وإطلاقها، محدداً اياها في أمور الحسبة، دون الدخول في المساق العام الذي يعتبر الإفتاء والقضاء عرفاً للولاية الشاملة للولي الفقيه، على مبدأ «اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». وإنما، بطبيعة الحال، مع إشتراط الفقه الإجتهادي لمرجع التقليد.
لعله من اللطيف هنا، ذكر حادثة وقعت مع السيد في زيارة قام بها لأجل محاضرة في أحد المناطق القريبة من عرسال قديماً، بدعوة من كنيسة محلية، ابتدأ الأب راعي الكنيسة بالبسملة اللاهوتية «باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد»، وأكمل كلامه، ولما تكلم السيد فضل الله، قال: «إبتدأ الأب بهذه البسملة، وطالما أنه قال «الإله الواحد»، فلا نستطيع ان نقول إلا أن المسيحيين مؤمنون، أما كيف يوفق المسيحيون بين الأقانيم الثلاثة وبين الإله الواحد، فهذه «شغلتهم مش شغلتنا».
ونادرة أخرى، حينما حاضر السيد في إحدى الجامعات، وسأله بعض الطلاب كيف لي أن أحاور الآخر، وباي طريقة، فأجابه، إن كنت مسلماً عليك أن تتحلى بأخلاق محمدية، وتحاور كما الرسول، وإن كنت مسيحياً، عليك أن تتحلى بأخلاق المسيح، وتحاور كما هو. وهما لا يختلفان في الأدب والرقي والتهذيب. ولا غرو، فهو القائل: «لا إيمان ـ في عمق الفكر ـ بدون حوار؛ حتّى كأنّ الإسلام كلّه حركة حوار، يبدأ في حديث الإنسان مع ذاته، في حركة التفكّر الداخليّ، حيث يدور الجدل بين احتمالٍ واحتمالٍ، وفكرةٍ وفكرةٍ، وظاهرةٍ ودلالة، في نطاق السلب هنا، والإيجاب هناك، وذلك هو دوره في صنع العقيدة».، يضيف في غير موضع، «الدين حالةً روحيّة لا تبتعد عن الانفتاح الفكري»، وأنّ الإيمان يمرُّ من طريق العقل، حتّى الغيب؛ لا بدّ أن يعترف العقل بوجوده، وإن لم يستوعب مفرداته؛ لفقدانه أدوات الاختبار الحسّي لما هو أوسعُ من الحسّ».
أطريت، في مداخلتي، العمق الفكري والعقلي لأطاريح المداخلين، باعتبار أن تشريح فكر السيد لا يتم إلا بالغوص في اعماقه، واستخراج اللآلىء التي تكون في الأعماق، إلا أنني نعيت على المنظمين عدم كفاية محاور الجلسات، لمقاربة أشمل واعـمق، للاثر الفعلي لتبـني السيد للمدرسة العلمية في الفقه، والفقه المقارن، وهذه النوع من المقاربات، برأيي المتواضع، كمتخـصـص في علوم الأديـان، والأديان المقارنة، هي التي ستشكل الرافعة المستقبلية لحوار الأديان، ولحوار الجماعات الدينية والمذاهب المختلفة داخل كل دين، لأنه متى تمت مقاربة المواضيع علمياً، فلا «تابو»، ولا محاذير، ولا احكام مسبـقة، بل فرضيـات تنال مشروعيتها من قدرتها على برهنة صوابيتها، وحتى أعقد المواضيع، واكثرها تشابكاً، خاصة وأن البعض من المفاهيم، «ربّما تجاوزها الواقع الفكري لكلّ من المسلمين والمسيحيّين ، ممّا يجعل الدخول في مناقشتها حركة في الفراغ»، أو حواراً بين صور أو أفكارٍ نمطيّة عن الآخر، وليس حواراً بين ذواتٍ انطلاقاً من طبيعة تشكّلها الفكري المعاصر...كما يقول العلامة الراحل...
السيد محمد حسين فضل الله، كلمة أخيرة في ذكراك، استذكرها سماحة العلامة الشيخ مرسل نصر عنك، «ها قد رَحَلْتُ اليَوْمَ عنهمْ وأمرُنا، إلى منْ له في خلقهِ النهى والأمر، سيذْكُرني قَومي إذا الخيْلُ أقْبلت، وفي الليلة الظلماءِ يفتقدُ البدر»...

غسان أبو دياب

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل