02 Jul 2013
التعليم: الواقع والطموح
التعليم: الواقع والطموح

عندما نقول بأن فلاناً متعلم فهذا يعني أنه يملك استعداداً أولياً لأن يكون مثقفاً وهو بالضرورة على درجة من الوعي مرتبط بمستواه التعليمي ، وبالتالي فهو إنسان إيجابي ومثمر لأنه قادر على توظيف المعطيات الأولية بشكل بنّاء ولخير الصالح العام .
كل هذه أشياء يفترض توافرها في الشخص المتعلم لأن التعليم يهدف للتغيير الإيجابي وبصورة أشمل فهو يهدف لتهيئة الإنسان فكرياً أي أن يتعلم الإنسان كيف يفكر بشكل منهجي .
من ذلك نجد أن التعليم يتعامل مع عقل الإنسان باعتباره عدة عوامل مترابطة ، بحيث تكون الذاكرة مدخلاً أولياً لحفظ وتخزين لأساسيات الضرورية للتفكير ثم يهدأ بعد ذلك إكمال البناء الفكري عن طريق الملاحظة والربط والاستنتاج والمقارنة .
ولكن التعليم العربي ينطلق من اتجاه معاكس تماماً فهو يتعامل مع الذاكرة فقط باعتبارها إمكانية إيجابية وحيدة في ذهن الإنسان ، ولذلك كان الحفظ الكامل لأرتال من المعلومات المعلبة هو هدف التعليم العربي ، وكلما كان الطالب أكثر استعداداً للحفظ كان في نظر المشرفين أكثر ذكاءً وألمعية ، من هنا ابتدأ الخطأ . خطوة أولى :
يقول العرب ( العلم في الصغير كالنقش في الحجر ) وهذا المثل يوضح بأبرز صورة نمطية التفكير التعليمي لدينا ، فالعلم يقصد به الحفظ ، ومنذ ذلك الحين ، والمتعلمون سامحهم الله يحشون رؤوس صغارنا بكم هائل من المعلومات المتناثرة فيصبحون كالببغاوات ، وما إن يسأل أحدهم عن معلومة ما حتى ينطلق سارداً إياها لا يغادر صغيرة أو كبيرة ، ويفرح الأهل بذلك أشد الفرح ، بينما الطفل المسكين لا يفهم شيئاً مما قال .
يجمع علماء النفس التربوي على أن ذكاء الطفل حتى الثامنة تقريباً هو ذكاء حركي وليس تجريدي ، بمعنى أن الطفل يعرف الأشياء من خلال احتكاكه المباشر بها ، ولذلك ركز التربويون على استخدام اللعب كمدخل تعليمي للأطفال في هذه السن ، بينها يصر التربويون العرب على أن يحبسوا الطفل في قاعة خاصة لمدة تزيد عن خمس ساعات ، وهو يجتر المعلومة تلو المعلومة ، ورأسه الصغير يكاد ينفجر ضيقاً وقرفاً وخوفاً ، فما أن يطلقوا سراحه حتى ينطلق لممارسة أنواع سطحية ساذجة من اللعب العابث الذي لا ينمي موهبة ولا يرسخ سلوكاً ولا يثمر إلا ضياعاً وجهلاً لا يفوقه إلا جهل المدرسة . خطوة ثانية :
يجمع التربويون على ضرورة أن يكون معلم الطفل متخصصاً في هذا المجال ، دارساً لنفسية الطفل ، مدركاً للفروقات الفردية ، والأهم من ذلك كله أن يكون مخلصاً في عمله متحمساً له ، مؤمناً بأنه يؤدى عملاً جليلاً ، وواجباً خطيراً .
ولكن وزارات التربية العربية لا تؤمن بشيء من هذا ، وهي ترى بأن الطفل يستطيع تعليمه من يعرف مبادئ القراءة والكتابة ، ولذلك توكل عملية تعليمه لأقل مدرسيها كفاءة ومستوى وربما أقل مدرسيها اهتماماً بالطفل ، فيكون الطفل ضحية من ناحيتين .
والخطورة تكمن في أن مرحلة التعليم الأولية تشكل التكوين الفكرى الأساسي للطفل ، بحيث تصبح المراحل اللاحقة مجرد إبراز الجوانب الخفية في هذا التكوين .
فإذا لم يكن المعلم مدركاً لهذا الجانب ، ولم تكن المناهج قادرة على ربط الطفل بعقيدته بشكل صحيح ومدروس فإن النتيجة النهائية ستكون الفشل لأننا أخطأنا في تحديد نقطة البداية وبالتالي فإننا كلما تقدمنا خطوة ، سنوغل في الخطأ أكثر وهكذا فإننا لن نصل أبداً .
خطوة ثالثة :
يعاني معظم الطلبة العرب من عدم التوافق الدراسي ، وهذا يعني بأنهم يشعرون بأن الدراسة عبء مرهق يفرحون سريعاً بالتخلص منه ، وهم يقضون نصف دراستهم في التحسر على إجازات انتهت ونصفها الآخر في انتظار إجازات قادمة ، وهذا يعني منطقياً أن استيعابهم محدود وتركيزهم شبه معدوم ، ولذلك تتبخر معلوماتهم بعد الامتحانات مباشرة ، فينسون كل ماله علاقة بالدراسة وهكذا ينتهي كل شيء ، وهذا يعني وجود خلل خطير في المناهج وفي طريقة التدريس إذ أنه من المفروض أن يحب الطالب المدرسة ، وأن يستمتع بالدراسة كما يستمتع بأية هواية أخرى يحبها ويقضي ساعات طويلة في ممارستها .
ومن نتائج عدم التوافق الدراسي ضعف المستوى العلمي حتى على مستوى خريجي الجامعات ، ومما يؤكد انعدام فاعلية التعليم لدينا هو اقتران هذا الضعف العلمي بضعف سلوكي وأخلاقي ، وهذا يعني أن ما يقارب ستة عشر عاماً من التعليم لم تجد فتيلاً ، وهر أمر يستحيل قبوله من الناحية المنطقية ، فالله سبحانه وتعالى ميز الإنسان بالعقل وجعله حجة عليه وحثه على التفكير والتأمل والتدبر ، فإذا كان الأمر كذلك فإن التعليم العربي يخدر العقل باستمرار ، ولو ترك الإنسان على فطرته دون تعليم لوجدنا فيه خيراً كثيراً ، لأن العقل البشري بطبيعته تركيبي فهو يبحث ويسأل ويقارن ويحلل ولا يمكن أن يتخلى عن هذا الدور ما لم يكن يعاني من عجز خَلْقي أو تثبيط موجه .
خاتمة :
يبدو لي أن علينا أن نعيد حساباتنا بخصوص التعليم وأن نستفيد من الناحية الهيكلية من تجارب الآخرين بدلاً من أن نظل نتخبط في محاولات الصح والخطأ .
وللخروج من هذا المأزق الحرج يجب على العالم العربي أن يكون على قدر من الشجاعة والمسئولية وأن يعترف بأخطائه في هذا المجال ، ومن ثم تبدأ إعادة البناء بشكل كامل وصحيح :
1- الاهتمام بالطفل تربوياً وسلوكياً ونفسياً واجتماعياً ، فهم نواة المستقبل ومسئولية الأمة حتى ينضجوا .
2- الاهتمام الجدي والمدروس بتعليم الطفل وتعديل المناهج لتكون ملائمة لعقلية الطفل .
3- إعادة وضع المناهج التعليمية ، بحيث تكون حافزاً على التفكير وليست مجرد معلومات جاهزة تؤخذ كما هي .
4- تقليل عدد الطلاب في الفصول .
5- التركيز على جلسات الحوار والمناقشة الودية بين الأستاذ وتلاميذه .
6- تشجيع الابتكارات .
7- قيام علاقة ودية بين الأستاذ وطلابه .
8- الابتعاد عن التلقين في كافة مراحل التعليم .
9- التركيز على بناء الشخصية وتدعيم استقلالية الطالب .
10- الاهتمام بالبحوث التربوية والإكثار منها .
11- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .
12- مراعاة أن تكون المناهج تساعد في صقل شخصية الفرد المسلم وأن تعمق ارتباطه بعقيلته بشكل واعٍ وصحيح .
13- عدم التسرع في النواحي التربوية فالخطأ فيها قد يقضي على أجيال كاملة .
14- تأهيل المشرفين والترحيب بالمخلصين والمتحمسين لأنهم هم الذين يدفعون بصدق حركة التعليم للأمم .
15- العمل على تحسين المكانة الاجتماعية للمعلمين وليس هذا الأمر بعسير .
جاسر عبد الله الجاسر

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل