29 Jun 2013
المراهقون ..ومواقع التواصل الاجتماعي
المراهقون ..ومواقع التواصل الاجتماعي

العاشر من شهر أكتوبر الماضي، وقع في فانكوفر -ثالث أكبر مدن كندا- حادث هز المجتمع بأسره, ولم تتوقف أصداؤه حتى كتابة هذه السطور؛ فقد أقدمت فتاة لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها على الانتحار, ولم يكن الحادث في حد ذاته صدمة بقدر ما رافقه من ملابسات مؤلِمة جدًّا, فالفتاة فعلت ذلك بعدما مرت برحلة طويلة خلال سنواتها الثلاث الأخيرة من مشاكل وابتزازت مع مواقع التواصل الاجتماعي, وقامت قبيل انتحارها بسرد قصتها على ورقات أظهرتها تباعًا في مقطع فيديو حَمَّلته على موقع (يوتيوب) ثم انتحرت، لتترك خلف رحيلها المجتمع بأسره يتحدث عنها وعن أسباب وملابسات ما جرى لها.
القصة بدأت حينما كانت “آماندا” في صفها السابع (أول متوسط) تحاول الدخول والتعرف على عالم “الفيس بوك” وغيره لتصلها رسالة تحمل كلمات الإعجاب بجمالها والتعليق على صورها ومنشوراتها, ثم نشأت بينها وبين أحدهم علاقة عاطفية لم تَدُم طويلًا إلا أن هذا الأخير استطاع الحصول على صورة فاضحة لها, لتجد الصورة قد انتشرت بين رفاقها في مدرستها الثانوية, وبدأ زملاؤها بالسخرية واللمز حول شكلها في الصورة التي ظهرت لهم في هواتفهم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة, عانت من سخريتهم ومن انتشار صورتها وقصتها في المجتمع المدرسي إلى حد اتخاذها قرارًا بتغيير مدرستها، ولم تمضِ فترة طويلة في مدرستها الجديدة حتى اكتشفت وجود صفحة باسمها في “فيس بوك” تنشر صورها وفضائحها، وقد بدأ زملاؤها الجدد بتناقلها فيما بينهم، وأخيرًا قررت الانتقال والعيش مع أمها في مدينة لا يعرفها فيها أحد.
انتقلت “آماندا” إلى المكان الجديد وبدأت أيامها بالتحسن، وكونت لها عالَمًا جديدًا ومجموعة أصدقاء أخرى، واستطاعت استعادة لياقتها النفسية وصحتها العاطفية. وما هي إلا عدة أشهر حتى أطل شبح ماضيها الأسود؛ فقد اكتشفت وجود “هاش تاج” باسمها في موقع “تويتر” (“هاش تاج” هي طريقة لتنظيم البحث في موقع تويتر)، ويكتب فيه العشرات ممن تعرف أو لا تعرف, لتقرر بعدها إنهاء حياتها دون أن تُعلِم بذلك أقرب المقربين لها.
حملات التوعية..تنطلق في المدارس
قصة “آماندا” لم تحرك الإعلام والصحافة الكندية والأمريكية لتحليل قصتها فحسب, وإنما حركت قطاع الشرطة والتعليم قاطبة لتوعية هذا الجيل من فئة الشباب والمراهقين الذين قلما ترى يد أحدهم خالية من هاتفٍ محمول يقلبه وينظر فيه طوال الوقت, وبالجهاز كل حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي بَدءًا من “الإيميل” (البريد الالكتروني) ثم “فيس بوك”، و”تويتر”، و”انستجرام”، و”يوتيوب”، وغيرها.
حملات التوعية كانت في البداية مركزة على قطاع طلاب المرحلة الثانوية, ثم كان لآباء وأمهات الطلبة نصيبٌ من ذلك, إذ إن إدارة التعليم في مناطق مختلفة من مدينتنا أعلنت عن إقامة محاضرات مسائية لتوعية أولياء الأمور الراغبين في معرفة طرق حماية أطفالهم من مخاطر الشبكة العنكبوتية, وقد تسنَّى لي مؤخرًا حضور إحداها في المدرسة الثانوية القريبة من بيتي, وذهبت لأجد القاعة قد امتلأت مع وصولي بما يقارب خمسمائة من الآباء والأمهات, كان المحاضر الذي ألقى علينا المحاضرة فتى يافعًا بدا أنه مهتمٌ بهذه القضية منذ سنوات, وأنه يتواصل مع الطرفين؛ المراهقين من جهة, والمربين من جهة أخرى للسماع منهم وتحليل ما يحدث أولًا بأول, ثم تقديم النصائح للطرفين على حد سواء.
خلال ساعتين من حديث المحاضر أخذ يستعرض علينا نماذج وعينات من تصرفات وأقوال المراهقين على الشبكة, بعضها جاء بها من صفحات في “فيس بوك”, ومعظمها من “تويتر”, وأيضًا من غيرهما. وباختصار فإن كل ما عرضه علينا كان مخيفًا ومفزعًا إلى حد جعل الآباء يُطلقون صيحات الاستنكار والدهشة والغضب لتُسمع في القاعة هنا وهناك.
مراهقون متهورون!
بدأ المحاضر باستعراض حادثة شهيرة وقعت أثناء الصيف الماضي في فانكوفر؛ حين قامت الجماهير المشجعة للفريق المحلي بالتنفيس عن غضبها وإحباطها -من جراء خسارة فريقهم- بأعمال شغبٍ وتكسيرٍ وسرقات وإشعال نارٍ، واستمر ذلك لساعاتٍ في أرجاء مختلفة من قلب المدينة, وقد تم القبض على معظمهم أو استدعائهم للتحقيق بعدما تمكنت الشرطة من الحصول على بياناتهم عن طريق “الفيس بوك” أو “تويتر”.
فهذه فتاة حمقاء تصرح بأنها حصلت على أغراضٍ من محل شهير بعدما اقتحمته مع الجموع, وهذا مراهق أرعن أخذ يستعرض صورته وفي يده العصا وهو يكسر ويحطم مما كان دليلًا دامغًا بحقه لتقبض عليه الشرطة بالجرم المشهود, والخطورة ليست هنا فقط، وإنما في المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الشباب, إذ يكفي وضع اسم أحدهم في محرك البحث الشهير “جوجل” لتظهر كل معلوماته وتاريخه وربما صورته في أعمال الشغب مما قد يعطل فرصته في الحصول على وظيفة أو منحة دراسية أو حتى استئجار منزل, وذلك بعدما أصبحت كل الجهات السابقة وغيرها تقوم بفحص “إلكتروني” لتاريخ المتقدمين لها, والنظر لآرائهم وتصرفاتهم على الشبكة!
إحدى الفتيات اللواتي كن على وشك التخرج من المدرسة كانت تكتب في “هاش تاج” تسخر من أوباما أيام حملته الانتخابية الأخيرة, وصرحت بكلمات بذيئة في حسابها هناك, مما جعل إدارة الجامعة تعيد النظر في ضمها مع الحاصلين على المنح الدراسية المقدمة من إدارة الجامعة للطلاب المتميزين أكاديميًّا.
فتاة أخرى كانت تنشر صورها باستمرار وهي خلف المقعد تتعلم القيادة وبلغ بها الحماس أن صممت صفحة لها يشترك فيها مَن رغب, وما هي إلا أيام قليلة حتى لَقِيَت حتفها في حادثٍ شنيع, وفوق صدمة والديها وألمهما لفقدها, فقد فوجئا بصفحتها على “الفيس بوك” وقد تجاوز عدد معجبيها الآلاف, رغبةً وفضولًا في معرفة تفاصيل الحادث, وفوق ذلك تناقل وعلق أعضاء الصفحة على صورها الشخصية بما سبب مزيدًا من الألم لذويها.
ومن الصادم أن بعض المراهقين ينشر بسذاجة معلوماتٍ قد تضره أو تضر والديه دون قصد, فهذا صبيٌ في السابعة عشر يضع صورة لأول مخالفة مرورية تلقاها بعد حصوله على رخصة القيادة في برنامج “انستجرام” والمخالفة تحوي بياناته كاملة؛ اسمه واسم أبيه, وعنوان إقامته مفصلًا, ورقم جواله, والصورة شوهدت من قبل مئات الأشخاص, وقد نسي صاحبنا أنه يتحرك في الموقع تحت اسمٍ مستعار!
اسلام اليوم / أبرار البار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل