20 Jun 2013
الدروس الخصوصية عبء ثقيل على الأسر ومصدر للرّبح السريع
الدروس الخصوصية عبء ثقيل على الأسر ومصدر للرّبح السريع

لم تعد الدروس الخصوصية أو ما يصطلح عليه بـ»دروس الدعم والتقوية» (خطأ أو تدلسيا) حكرا على الأثرياء وذوي الدخل المرتفع، كما كان الأمر في السابق،
ولم تعد تمنح للتلاميذ الضعاف أو لمن يتعثر في مادة من المواد، بل أصبحت «موضة» عند البعض وضرورة عند البعض الآخر ومطلبا إجباريا عند ثلة أخرى، حتى أصبح الآباء يسارعون، عند بداية الموسم الدراسيّ، إلى حجز مقعد في غرفة عبارة عن حجرة دراسية أو في مدرسة للتعليم الخصوصي أو مقر جمعية تمنح دروسا خصوصية. ومن الآباء الأثرياء من «يحجزون» أساتذة كل موسم دراسيّ، يتنقلون إلى فيلاتهم لإعطاء دروس في مختلف المواد لأبنائهم، يوضعون رهن إشارتهم حسب أوقات فراغهم.. وأصبحت الأسر تخصص لهذا النشاط ميزانية خاصة تـُقتطع من ميزانية الأسرة العامة على حساب حاجيات ومتطلبات أخرى أكثر حيوية.
موارد مالية هامة
استفحلت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الساعات الإضافية أو الدروس الخصوصية المؤدى عنها بحجة مساعدة المتعلم والرفع من مستواه المعرفيّ وضمان حظوظ أوفر للنجاح، وفتحت منازل وشقق وفيلات ومرائب ومقرات لجمعيات ومدارس ومعاهد أجنبية كان من المفروض أن تشجع تعلـّـُم لغتها وثقافتها مجانا، كما كان في السابق (فتحت) غرفها ومكاتبها وقاعاتها وساحاتها، غير الخاضعة للمراقبة لتحديد مدى استجابتها لشروط صحة وسلامة وأمن والجيها، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من المتعلمين من كلّ المستويات، من أقسام الإبتدائي حتى الجامعي، واستدرار أموال طائلة، بالملايير، غير خاضعة للضرائب ولا للمحاسبة وخارج القوانين الغائبة أو «المُغيّـَبة».
يشرع هؤلاء «التجار في التعليم والتربية»، مع كلّ بداية موسم دراسي وحتى خلال العطل الصيفية، في حملات قوية وخطيرة لـ»إقناع» المتعلمين وآبائهم وأولياء أمورهم، عبر مطويات وقصاصات ولوحات إشهارية منشورة في جرائد وموزعة أمام أبواب المؤسسات التعليمية وفي المقاهي والشوارع وتحت أبواب المنازل، في مختلف المدن، بضرورة اللجوء إلى دروس الدعم والتقوية التي يتم منحها على «أيدي أطقم من خيرة الأساتذة الأكفاء والمتمكنين من طرق التدريس والتلقين بأحدث الوسائل والإمكانيات»، رغم أن هؤلاء الأساتذة ينتمون إلى وزارة التربية الوطنية المغربية ويشتغلون في مؤسسات تعليمية مغربية، وهو ما يدفع إلى القول إن بعض رجال التعليم الجَشعين يستغلون مكانتهم من أجل إعادة بيع المواد الدراسية التي يتقاضون عليها أجرا من الدولة، وأصبح الأمر شبيها بـ»مضاربة في المعرفة»..
وفي هذا الصدد أدلى بعض الآباء وأولياء أمورهم وحتى بعض الأساتذة بشهادات تفيد أن عائدات بعض الأساتذة من وراء هذه الدروس، التي يطلق عليها ظلما، «دروس الدعم التقوية الاضافية» يتراوح ما بين 30 و60 ألف درهم شهريا.. وقد بتجاوز المبلغ ذلك، أما مداخيل تلك المؤسسات شهريا فلا يعلمها إلى أصحابها، دون أن يلمس الآباء تحسنا في مستوى أبنائهم ولا مردودية أفضل.. وتتراوح واجبات هذه الدروس الخصوصية الشهرية (بمعدل 4 ساعات في الأسبوع) ما بين 300 و1200 درهم للمتعلم الواحد، حسب المواد المدرسة وأهميتها وشهرة المُدرّس، كما أن هذه الدراسة تتم، في غالب الأحيان، داخل غرف مكتظة بالتلاميذ تتجاوز المنطق التربويّ والسلامة الصحية.
ومن الأساتذة من «يُجبرون» التلاميذ، بطرق مباشرة وغير مباشرة، على الإنخراط في الساعات الإضافية التي يمنحون فيها «دروسا» هي الدروس نفسها المُقرَّرة في البرامج التعليمية، والتي من المفروض أن «تـُهضَم» في فصول المؤسسات داخل الحيز الزمني الرسمي الممنوح من طرف الإدارة والمؤدى عنه أجرا شهريا من المال العامّ.. دروس ليست بالضرورة لتقوية مستواهم الدراسي ورفع مردوديتهم بل مقابل منحهم نقطا عالية في الامتحانات والفروض، ولو دون استحقاق، محاباة لهم، أو عبر طرح أسئلة تم التطرق إليها في حصة الدروس الخصوصية...
منظومة تعليمية غير نظامية
تراجع أداء المدرسة العمومية، إذ لم تعد مكانا للمعرفة أو بوابة لها بقدْر ما أصبحت الآن بمثابة معمل يُنتج الخواء العلميّ والمعرفي و»الكوارث» التربوية، إذ تأكد لدى الجميع أن الانتقال أو العبور من فصل إلى الفصل الموالي يتم بمعدلات «كارثية» لم تكن تسمح للمتعلم، في ما مضى، حتى بمتابعة الدروس بعد الرسوب.. هذا إذا لم يتمّ «النفخ» في المعدلات، التي غالبا ما لا تكشف المستوى الحقيقيَّ للمتعلمين ولآبائهم وأولياء أمورهم، بل تخدعهم وتـُمَنيهم إلى يوم الامتحان، حيث «يُعزّ المرء أو يهان»، حينها تجد التلاميذ والآباء يهرعون إلى المؤسسات التعليمية والأكاديميات لطلب مراجعة أوراق الامتحانات، مصدومين وغيرَ مصدقين بما حاز هؤلاء من نقط، وحتى الآخرون الناجحون يحصلون على شهاداتهم بميزة «مقبول»، أي متوسط، رغم أنهم ولحسن حظهم كان لهم رصيد مهمّ من فائض النقط الممنوحة في المراقبة المستمرة.
ليس كلّ التلاميذ في حاجة إلى دروس خصوصية، أصبحت بمثابة منظومة تعليمية غير نظامية موازية للمنظومة التعليمية الرسمية، واحتلت بذلك مكانة أهمّ في حياة المتعلم وأسرته واقتنع الجميع بأنّ المدرسة العمومية هي مقر للتسجيل ووضع ملف لاجتياز امتحان والحصول على شهادة، فيما تبقى «المنظومة التعليمية الموازية غير الرسمية» الطريق المضمون والمؤمن لمعظم التلاميذ للحصول على النقط والمعدلات.
ويجعل انخراط أغلب هؤلاء التلاميذ في تلك الدروس الخصوصية، التي لا تمتّ بأي صلة إلى الدعم البيداغوجي التربوي، كما هو متعارف عليه في الطرائق التعليمية القديمة والحديثة، أكثر شغبا في بعض الفصول داخل المؤسسة الرسمية، وأكثر لهوا ولعبا، وتحكم سلوكاتهم اللامبالاة وعدمُ الاحترام لمُدرّسيهم وينعدم لديهم التركيز ويتشتت انتباههم، ويكثر غيابهم، بحكم أن دروس المؤسسة الرسمية «ثانوية وغير مُجدية».. بل من التلاميذ من يكونون قد سبقوا زملاءهم في تلقي الدرس عن أستاذه في حصة الدروس الخصوصية.. وبهذا يتم إفراغ العملية التعليمية -التعلمية من رسالتها، ونتيجة كلّ هذا «يتوه» التلميذ الذكي الفقير، الذي لا حول ولا قوة لأسرته في تأمين دروس خصوصية.
«لقد أثرت الساعات الإضافية وتؤثر على مردودية المدرسة العمومية وتخلق جوا من التمييز بين تلاميذ الفصل الواحد وتربّي لدى البعض منهم الكثير من الظواهر الاجتماعية الخطيرة، كالحقد والكره والإحساس بالدونية أو بالعجرفة أو بالتفوق غير المبنيّ على المنافسة الشريفة داخل الفصل بين الجميع.. فما هي وظيفة نساء ورجال التعليم إن لم تكن هي القضاء على الظواهر الاجتماعية؟»، يقول أحد الأساتذة الرافضين لهذا النوع من «التجارة».
واعتبر بعض رجال التعليم هذه الدروس، خارج نطاقها البيداغوجي والتربوي، «جريمة تربوية بامتياز». ويوضح أحدهم «يجب تجريم التعاطي لدروس الساعات الإضافية لأنها نتيجة للغشّ داخل الفصل وعدم الالتزام بالمقررات الدراسية الرسمية والتماطل في تقديم المادة للتلميذ ودفعه دفعا إلى الالتحاق بالساعات الإضافية، التي يظنها هي المخلـّص له من رسوب وفشل مُحققين».
ويقرّ أغلب التلاميذ بأنّ مساوئ الدروس الخصوصية أكثر من منافعها، فهي من جهة تثقل كاهل التلميذ، بعد أن يتم رهن أوقات فراغه وعطله المدرسية، حيث يضيق وقته ولا يبقى له حيّز للراحة، مما يؤدي إلى الإجهاد ثم الإرهاق وضعف التركيز وعدم التحصيل، هذا إذا لم يُصَب بانهيار عصبيّ وقت الامتحانات الإشهادية، خصوصا أن هذه الدروس الخصوصية لا تخضع لنظام بيداغوجيّ تربويّ نفسي مدروس، حيث يشتغل المتلقي أكثرَ من 14 ساعة في اليوم (من الساعة الثامنة صباحا إلى ما بعد العاشرة مساء) وأيام السبت والأحد دون احتساب الأوقات التي يقضيها المتعلم أمام حاسوبه والإبحار في الشبكة العنكبوتية والشبكات التواصلية الاجتماعية..
وهناك بعض التلاميذ والتلميذات ممن يرفضون الالتحاق بهذه الدروس الخصوصية، التي يُرغمون على متابعتها من طرف الآباء وأولياء أمورهم، و»يبتكرون» الطرق والوسائل لمقاطعتها دون علم آبائهم.. حيث يوهمونهم بأنهم يهتمّون بها بعد أن يتصنعوا الالتحاق بتلك المؤسسات أو يصطحبهم الآباء عبر سيارتهم، وبمجرد انقطاع الحركة ينتشرون، ليلا، في الأزقة المحاذية الخالية، يتأبطون محفظاتهم ويستكينون لبعضهم البعض، يتجاذبون أطراف الحديث ويستمعون إلى الأغاني في انتظار وصول موعد الخروج من أجل العودة إلى بيوتهم، فينتصبون أمام باب المؤسسة أو مقر الدروس الخصوصية ويلتحقون بآبائهم..
ومن جهة أخرى فقد أصبحت هذه الظاهرة وسيلة ربح من الدرجة الأولى، حيث أإن الأساتذة لا يلقون الدروس بالطريقة المطلوبة داخل المدارس العمومية، وفي المقابل يطلبون من التلاميذ النخراط في الدروس الخصوصية حتى يتسنى لهم الفهم، «وهذه طريقة وَضيعة لربح المال، مع احترامي لبعض الأساتذة، لأنّ بينهم من هم من أصحاب ضمير»، يقول أحد الآباء.
دعم بيداغوجيّ
يشير الباحث الاجتماعي والتربوي بنعيسى حسينات إلى «ضرورة التمييز بين الدعم البيداغوجي والبيداغوجية التعويضية (دروس التقوية).. ذلك أن البيداغوجيا التعويضية تعني دعما وتقوية منطلقين من المدرسة ليصلا إلى خارج المدرسة (البيت مثلا). بينما تهدف البيداغوجيا التعويضية إلى تعويض أطفال الفئات الاجتماعية الدنيا، لِما يشعرون به من حرمان ونقص وفوارق، ترجع بالأساس إلى انتماءاتهم الأسرية، وطمس الفوارق الموجودة بين قيم أسرهم وقيم المدرسة».
أما ديداكتيكية الدعم البيداغوجي فتتحدد بالأساس، في كونها مجموعة من الوسائل والتقنيات البيداغوجية التي تتـّـَبع داخل الفصل أو خارجه، في شكل أنشطة وممارسات، بهدف تلافي ما قد يعترض المتعلمين من صعوبات معرفية على الخصوص، تحُول دون إبراز القدرات الحقيقية والإمكانات الفعلية للمتعلمين.
وتهدف هذه الديداكتيكية إلى خلق نوع من التجانس داخل عناصر الفصل وتجاوز كل أشكال التعثر والتأخر التي تعرقل سير عملية التعليم الطبيعي لدى المتعلم، بإعطائه فرصا لتدارك مجالات ضعفه، وكل ذلك من أجل إبعاد هذا المتعلم عن الرسوب والتخلف الدراسي.
ويذكر حسينات بأنواع الدعم التي تختلف باختلاف الأهداف المراد تحقيقها، منها الدعم النظامي والدعم التكميلي، حيث يتم الأول داخل المدرسة، وتشارك فيه الأطراف المعنية، من مدرسين ومؤطرين واختصاصيين في التوجيه وعلم النفس المدرسي، فيما تساهم في الدعم التكميلي القطاعات الموازية، كالتعاون المدرسي والجمعيات (جمعية الآباء مثلا) والإعلام المدرسي.
أما الدعم الداخلي فهو ما يمكن أن يُقدَّم من أنشطة داعمة داخل الفصل، في مختلف الوحدات التعليمية وفق خطة مُبرمَجة بشكل دقيق، ما يمكن أن يقدم من أنشطة داعمة خلال الدرس، وبين فقراته أو عند نهاية مجموعة من المراحل، يوازيه الدعم الخارجي، الذي يتمثل في أنشطة وممارسات خارج الفصل، كأنشطة تكميلية ذات صلة بمحتوى الدرس أو من وحدات أخرى، في شكل دروس خاصة وأنشطة التقوية.
أما المستوى الثالث من الدعم فيتمثل في الدعم الفوري المستمر والدعم المرحليّ، حيث يرتكز الأول على تتبع العمليات والأنشطة التي يتضمنها الدرس، وتعيين الثغرات والتعثرات التي تعترض المتعلمين خلال تطبيقها فورا، لدعمها بشكل صريح ومباشر، وأحيانا بشكل ضمنيّ، يتمثل عادة في مجموع الأنشطة التي يلجأ إليها المدرس بشكل آليّ، كالإعادة والتكرار والتوضيح والتشخيص والتصحيح... ويتم الدعم المرحلي عادة بعد تراكم عدد من المعارف والخبرات، أي بعد تقديم سلسلة من الدروس في مرحلة دراسية معينة. وهذا النوع من الدعم يستلزم تخطيطا محكما يساعد على انتقاء عناصر برنامج تدعيميّ وظيفي، يخدم، أولا، الحالات المتعثرة، وهي المُستهدَفة، ثم يُعمّق، ثانيا، فعاليات الآخرين ويطور ويُنمّي فهمهم.
ويؤكد الباحث على أنّ الدعم البيداغوجي ليس عبارة عن مراجعة للدروس، وإنما هو بناء نسَقيّ وخطة محكمة لتصحيح المسار الديداكتيكيّ البيداغوجي، الذي اعتراه التعثر، فحال دون تحقيق أهدافه. إلا أنه ليس لصيقا بالمدرّس، كما يعتقد البعض، وإنما هو إجراء يساهم فيه كل الشركاء، وخاصة المتعلم المتعثر، وجماعة الفصل، إضافة إلى إسهامات الفعاليات الأخرى، كالآباء وخبراء التربية وغيرهم.
شهادة صاحب أعلى معدل في الباكالوريا..
في الأخير، لا بدّ من تسجيل شهادة محمد حسيني، المزداد في وجدة بتاريخ 30 ماي 1994 في وجدة، والذي تابع دراسته في ثانوية عمر بن عبد العزيز التأهيلية في نيابة وجدة -أنكاد، الحاصل على البكالوريا -شعبة علوم رياضية أ- بمعدل 19.15، ما خول له تبوّؤ الرتبة الأولى في الجهة الشرقية والثانية في المغرب.. مهنة الأب رئيس مصلحة الإعلام والتوجيه في التكوين المهني، والأم ربة بيت، ولم يستفد من أي دروس خصوصية في الدعم والتقوية، ويقول للتلاميذ المقبلين على امتحان إشهاديّ إن تحصيل نتائج جيدة رهين بعمل متواصل منذ بداية السنة الدراسية في المواد المميّزة للمسلك، سواء كان علميا أو أدبيا، مع أهمية عدم إغفال باقي المواد.. وإنّ الرغبة في تحقيق نتيجة طيبة تجسدها إرادة قوية لا يمكن تفعيلها إلا بإعطاء الأولوية للدراسة.. «لذا أؤكد أنّ عنصري الإرادة والمواظبة عبر العمل بوتيرة ثابتة هما السبيل إلى التفوق الدراسي».
المساء التربوي / عبدالقادر كتـــرة

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل