12 Jun 2013
أسئلة الأطفال وعلاقتها في تنمية القدرات العقلية وآفاقها ..عند الطفل
أسئلة الأطفال وعلاقتها في تنمية القدرات العقلية وآفاقها ..عند الطفل

أيهما يعبر أكثر عن درجة ذكاء الطفل, ومدى نموه العقلي:هل هو ما يرد به من إجابات صحيحة على أسئلة الكبار...؟ أم ما يطرحه من أسئلة واستفسارات,يطلب بها إجابات من الكبار؟

اعتاد الكبار من آباء ومعلمين أن يسعدوا بإجابات الأطفال التي تبدو-من وجهة نظرهم-على أن أطفالهم قد كسبوا القدر اللازم من المعرفة بالحقائق والمعلومات, ولكنهم تعودوا في نفس الوقت على عدم الاهتمام بأسئلتهم, أو تجاوزها, أو على الأقل الإجابة عليها إجابات متسرعة غير متأنية,دون التأمل فيها, أو التعرف على عناصرها الفكرية وأصولها العقلية.
وقد وضع أصحاب الاختبارات الذكاء شروطاً ومحاذير ينبغي أن تجري في ظلها مثل هذه الاختبارات, لكنهم جميعاً أصروا على أن الوسيلة المثلى لتقدير مستوى الطفل العقلي هو قدرته على إيجاد نموذجية, وأحياناً قدرته على التوصيل إلى الإجابة المطلوبة نفسها.
لهذا السبب أهمل الكبار أسئلة الصغار.
إن إهمال أسئلة الصغار, والتبرم منها أحياناً ليس سبب عدم معرفة وأهميتها وجهل دورها النفسي والتربوي فحسب, لكنه يكون لأسباب أخرى,لعل أهمها:
1-شعور الكبير بغرابة سؤال الصغير, أو بتفاهة أو عدم جديته, مما يجعله لا يهتم به, أو انتباه.
فيقع الكبار بذلك في مطب تجاوز حقوق الصغار في التفكير بطرقهم الخاصة التي تتميز بالبساطة, والوضوح, والمنطق العقلي والمنطق الواقعي , وهذا التجاوز يمثل شكلاً من أشكال(الديكتاتورية) العقلية التي يتمسك به الكبار ناسين أو متناسين أن الطفل يطلق سؤاله البسيط الساذج عن رغبة صادقة في المعرفة, أو اكتشاف العالم الذي يحيط به بدافع من مثيرات خارجية في مواقف معينة, فلاً عن الهدف النفسي العاجل لسؤاله, وهو إعادة التوازن النفسي الذي يفتقده في موقف ما.
2-إدراك الكبار صعوبة السؤال الذي يطرحه الطفل حين يكون السؤال متصلاً بجانب من جوانب المحرمات الاجتماعية أو الأخلاقية ضمن إطار ثقافي معين, لا يسمح يتناوله إلا في سن معينة.
حيرة الكبار أو عجزهم إزاء مثل هذه الأسئلة التي يلقيها الأطفال هي مشكلة بالنسبة للكبار, ومن هنا وجب على الكبار أن يعدوا أنفسهم الإعداد الجدي الذي يساهم في الإجابة السليمة عن مثل هذه الأسئلة, حتى لا يسقطوا في الامتحان, ويظهروا بالمظهر الذي لا يتوقعه منهم الأطفال.
3-أحياناً تشكل كثرة أسئلة الأطفال, وتلاحقها, أو عدم انتظام الإجابة عنها سبباً أخر من أسباب الإهمال الذي يبدو من الكبار. ولو أدرك الكبار أهمية أسئلة الأطفال من الناحية النفسية لكان لهم موقف آخر, وهو التشجيع حتى يستمر الأطفال في طرح أسئلتهم وكأنهم يفكرون بصوت مسموع.
4- وكذلك فإن من بين الأسباب التي تجعل الكبار لا يعيرون أسئلة الأطفال القدر الواجب من الالتفات والاهتمام لبعض هذه الأسئلة يأتي بصورة ضمنية ولا يأتي بشكل مباشر.
5- قد يكون تهرب الآباء والأمهات من الإجابة هو جهلهم بما فنقول لهم يجب أن تسألوا عن إجابات لأسئلة أبنائكم وتخبروهم بها بأمانة وصدق.
قيمة تربوية:
إلا أنه على الرغم مما تلقاه أسئلة الأطفال من إهمال في حياتهم اليومية فإن الدراسات(الأكاديمية)بصفة علمية قد أولتها اهتماماً كبيراً منذ فترة طويلة, ويمكننا أن نجد بحوثاً ودراسات تنشرها المجلات العلمية بين حين وآخر, غير أن هذه الدراسات لم تجد طريقها إلى التطبيق العلمي في حياة الأطفال, سواء في البيت أو في المدرسة, وبقيت هذه الأسئلة كقيمة تعليمية وتربوية مهدورة, وليس أدل على ذلك من أن العاملين في الحقل التعليمي يلاحظون أن أسئلة الأطفال تتضاءل كماً وكيفاً كلما تقدموا في السن, فإذا ما التحقوا بالمدرسة ألفيناهم يتسابقون إلى الإجابة على أسئلة مدرسيهم التي لا تتوقف طيلة الدراسة, ولا يفكرون كثيراً في أن يسألوهم أسئلة قد تخطر ببالهم أو تعني لهم أثناء الشرح, بالطريقة التي تروق لهم,لا بالطريقة التي تروق للكبار.
أسئلة الأطفال صيغها و وظائفها:
نستطيع أن نميز بين نوعين من الأسئلة:
النوع الأول عقلي(لغوي),والنوع الثاني(نفسي).
وفيا لنوع الأول(العقلي) يحاول الطفل أن يستخبر عن شيء, أو أن يخبر عن هو وهي تبدأ عادة بماذا؟أو كيف؟, أو ما؟,الخ.؟؟؟؟
أما النوع (النفسي) فيعبر عن الطفل بسؤال يأتي في شكل خبر يلقيه إلى السامع, لكنه في الحقيقة سؤال يريد أن يتعرف على إجابته, كأن يقول الطفل:(بابا سيحضر لي لعبة), وهو يقصد(هل سيحضر لي بابا معه لعبة؟) ومن الضروري أن نؤكد حقيقة أساسية ونحن بصدد تحليل أسئلة الأطفال بقصد تفهم دورها في تنمية ذكائهم وقدراتهم العقلية, وهي أن للأسئلة دلالة موقفية قاطعة, فنحن لا نستطيع أن نقدر قيمة السؤال أو أن نفهمه ونحدد معناه إلا من خلال الموقف المعين الذي دفع الطفل إلى السؤال, فليس للسؤال قيمة في ذاته, لكنه يستمد قيمته ودلالته وأهميته من طبيعة الموقف الذي يحيط به وظروف.
ولأسئلة الأطفال ثلاث وظائف تكوينية هامة هي:
1- تحقيق التوازن النفسي لدى الطفل.
2- التفكير الاستنباطي, للتعرف على البيئة المحيطة به واستنتاج الأمور الحياتية المهمة ومنها التعرف على القيم الخلقية والسلوكية التي تقع داخل الإطار الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل.
ما هو موقف الوالدين من أسئلة الأطفال؟:
يعتمد الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية اعتماداً تاماً على الوالدين, وعلى الأم بشكل خاص, فعن طريقهما يتعرفون على كثير من الحقائق والمعارف والمعلومات, وهم بهذا يحملونهما مسؤولية أساسية نحو نموهم العقلي ونموهم الاجتماعي, كما يحملونهما المسؤولية نحو نموهم الجسمي والصحي.
وأود أن أشير إلى بعض المبادئ الأساسية التي ينبغي على الآباء والأمهات مراعاتها. ولنبدأ بأهم هذه المبادئ, وهو مبدأ عدم الاهتمام بأسئلة الأطفال:
فالوالدان اللذان يصغيان لأسئلة أحد أطفالهما يشعرانه بمشاركته همومه, وباحترامها وتقديرها, وهذه المشاركة تعيد إلى الطفل-في موقف التساؤل نفسه-توازنه النفسي, واطمئنانه,وسرعان ما نلمس نبرة الثقة بالنفس,والدقة في طرح السؤال, والتتابع المنطقي في مسار الحوار, والتوقف عنه في الوقت المناسب له,والاكتفاء بالقدر اللازم منه.
أما ثاني هذه المبادئ فيتمثل في مبدأ الصدق في الإجابة, واعني بالصدق في الإجابة أن يتحرى الآباء والأمهات الدقة في الحقائق العلمية التي يقدمونها لأطفالهم من خلال مفردات لغوية معروفة ومألوفة لهم, وتبسيط هذه المعلومات في إطارها العلمي الصحيح, والمحافظة على إطار المفردات التي تعود عليها الأطفال ولا بأس من إضافة المفردات الجديدة, لكن بحساب من المألوفة عادة-أن يسأل الأطفال أسئلة تدور حول مسائل جنسية فليس من الغريب أو الشاذ أن يبحث الكائن الحي العاقل عن أسبابه حياته, ومقوماتها, بل العكس هو الغريب والشاذ, وقد أصبحت الآن هذه الأسئلة شائعة, ومألوفة, وبسبب ما تردده أجهزة الإعلام كالتلفاز والإذاعة وغيرهما, وصدق الإجابة على هذه الأسئلة في إطار المفردات اللغوية المقبولة المألوفة لدى الأطفال-كما سبق أن ذكرنا-يعني في نهاية الأمر تحقق حالة الاستقرار والتوازن النفسي والأمن.

ويأتي بعد ذلك ثالث المبادئ اللازمة, وهو مبدأ معالجة الدوافع الخاصة للأطفال, أي تلك الدوافع الناشئة من سياق الموقف الذي يعيشون فيه, والطفل الذي يشعر بالقلق والانزعاج من جراء مولد طفل جديد في الأسرة فيسأل:من أين يأتي الأطفال؟ لا يمكن أن تحل مشكلته بمجرد الإجابة العلمية,لكنه في حاجة إلى معالجة الدافع الحقيقي الذي دفعه إلى طره هذا السؤال, والاهتمام به اهتماماً خاصاً.
موقف المدرسين والمدرسات في المدرسة:
من الملاحظ بصفة عامة أن الأطفال يفقدون.اهتمامهم بالأسئلة التي يطرحونها على مدرسيهم ومدرساتهم بمرور سنوات الدراسة, ويركزون اهتماماته حول الإجابات التي يتدربون عليها, استجلاباً لرضا مدرسيهم, فالحياة المدرسية الآن بصفة عامة تعتمد على مسلمة غريبة, هي أن السؤال حتى موقوف على المدرس أو المدرسة, وأن الإجابة واجب مقصور على التلميذ, سواء كان صغيراً أو كبيراً ولا يمكن أن يكون الأمر على عكس ذلك!
وحين يطرح هذا الموضوع على بساط البحث والمناقشة في اجتماعات المعلمين ولقاءاتهم في برامج التدريب سران ما يتصايحون متعللين بالمناهج المقررة التي لا تسمه بالأسئلة الخارجة عنها, وبأن الوقت والحصص المحددة لا تفسح المجال لمثل هذه الأسئلة.
إن الأمر هنا يصبح أسلوباً مباشراً لتدمير عقل الطفل, والوقوف في طرق نموه كإنسان يتعايش مع مكونات مجتمع معين. كيف يمكن لنا أن نتوقع اكتشاف الطفل لذاته, وفهمه لمجتمعه, والشعور بالانتماء إليه دون أن نفتح له القلب والعقل بالإجابة على كل ما يدور في خلده من تساؤلات؟
إن التقليل من مبدأ حقا لطفل في أن يسأل عن كل ما يعني له أثناء الدرس ينبغي في نهاية الأمر إلغاء حقا لطفل في النمو و وضعه تحت تأثير أسلوب غير(ديمقراطي)في التعليم.
أود أن أوجز بعض السمات الأساسية لهذا التغيير اللازم فيما يلي:
1- ضرورة أن يكون للمناهج بصفة عامة طابعها المحلي, بالإضافة إلى أهدافها العامة الشاملة.
2- حق التلاميذ في اختيار مواد معينة من ضمن مجموعات نوعية من المواد الدراسية.
3- تعديل النظم الإدارية التقليدية الموجود حالياً في شكل حصص وجدول دراسية صارمة المواعيد.
4- تدريب المدرسين والمدرسات في مراحل التعليم المبكرة على الاهتمام بأسئلة الأطفال, وطرق الإجابة عليها, وتشجيع الأطفال على طرحها دون خوف, أو تحسب شديد.
5- الإقلاع عن طرق الامتحانات والاختبارات السائدة الآن, لا سيما في السنوات الأولى فيا لدراسة, واستبدالها بأساليب حديثة, تقوم على احترام حركة النمو, كنشاط طبيعي نلمسه حين يلعب الأطفال منفردين أو مع غيرهم, وحين يرسمون بالقلم أو الفرشاة مع غيرهم, وحين يعلقون على أحداث أو وقائع معينة.

حسين محي الدين سباهي / مجلة التربية والتعليم

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل