27 May 2013
الدمج التربوي بين النموذجين الطبّي والاجتماعي
الدمج التربوي بين النموذجين الطبّي والاجتماعي

قدّم ثلاثة خبراء من المملكة المتحدة تجارب بريطانية في الدمج التربوي وأفكاراً لتغيير السلوكيات الاجتماعية وتكييف النظام التعليمي لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة وليس العكستشق ثقافة احترام الحقوق التعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة طريقها إلى المدارس اللبنانية، وإن بصعوبة. قبل أعوام قليلة، لم تكن «الصعوبات التعلّمية» مصطلحاً مألوفاً لكثير من اللبنانيين، لكنّ عملاً ملموساً لوزارة التربية بالشراكة مع مؤسسات تربوية خاصة أدى أخيراً، بحسب نائب رئيس مركز سكيلد ــ للأطفال الأذكياء د. نبيل قسطة، إلى وضع الحجر الأساس لبناء ثقافة إيجابية انعكست ارتفاعاً في عدد خبراء التربية المختصة واهتماماً متزايداً للمؤسسات لتمكين هؤلاء من تحسين مستواهم الأكاديمي والسلوكي.

قبيل اليوم الوطني لذوي الصعوبات التعلّمية في 22 نيسان الماضي، وصلت 3.8 ملايين رسالة نصية إلى اللبنانيين في هذا الخصوص، وشارك في الحدث ممثلون عن 50 مؤسسة تربوية رسمية وخاصة تبادلوا الخبرات في مجال توفير الموارد لدمج الأولاد في مدارس عادية. بعد هذا التاريخ، تلقت المؤسسات التربوية آلاف الاتصالات التي تستفسر عن حالات خاصة، كما يقول قسطة.

أمس، استكمل المعنيون مشوار اليوم الوطني باستضافة نحو 300 شخصية من صانعي القرار والتربويين والمعلّمين في المدارس اللبنانية في مؤتمر نظمه المجلس الثقافي البريطاني بعنوان «الممارسات الشاملة للجميع: الوصول والإشراك من المنظور البريطاني». وقد حظي المؤتمرون بفرصة المشاركة في ثلاث جلسات بقيادة خبراء من المملكة المتحدة هم بيتر هول جونز، وجون إيرس، وجيل سميث. وطرحت الجلسات أفكاراً واستراتيجيات لتغيير السلوكيات وتكييف الصفوف الدراسية والمناهج وتقييم الممارسة الشاملة للجميع وتحسينها كل في مدرسته.

ايرس الذي يشغل منصب مدير أكاديمية إيدن البريطانية كان متحدثاً أساسياً في المؤتمر، فقدم تعريفاً للدمج التربوي وصفه بالإيجابي والواقعي قائلاً: « الدمج ليس منتجاً بل طريق نسلكه طوال الوقت لنصل إلى وجهتنا». وفيما دعا إلى عدم تبسيط التحديات الفعلية لهذه العملية المستمرة، أكد أهمية اعتماد التحقيق في قياس التقدم الذي يحرزه ذوو الاحتياجات الخاصة في تقدير ذواتهم، «فلا يجوز الضغط للحصول على تلامذة بارعين فقط وغير محققين للأهداف». من ندمج؟ أجاب ايرس: «كل الأطفال بغض النظر عن إثنياتهم وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية وحالتهم الصحية». وركز على مكوّنين أساسيين هما الوصول والإشراك، إذ لا يكفي، برأيه، أن يكون التلميذ موجوداً في الصف بل ينبغي توفير الشروط الحسية لضمان وصوله إلى متابعة المنهج الدراسي والأنشطة اللاصفية ومنع تعرضه للاعتداء والتهميش.

هذا يتطلب، كما قال، تغيير السلوكيات الاجتماعية واعتماد طرق متنوعة غير تلقينية. وسرد الرجل تجارب من سيريلنكا وتايلند وغيرهما ليقول إن الوصول والإشراك لا يحتاجان بالضرورة إلى تمويل كبير بل إلى بعض الابتكار والتفكير في حلول إبداعية. الأهم المقارنة التي قدمها الخبير البريطاني بين النموذجين الطبي والاجتماعي لمقاربة ذوي الاحتياجات الخاصة. فالأول يطالب بإصلاح الطفل ليكون قابلاً للنفاذ إلى النظام التعليمي، أما الثاني فيرى ضرورة أن يتكيّف النظام مع حاجات الطفل. إلى ذلك، يفرض النموذج الطبي التشخيص والعلاج لتصنيف الطفل وتقييمه، بينما يتقبّل النموذج الاجتماعي الفرد كما هو. كذلك ينادي الأول بالفصل وتقديم خدمات بديلة، فيما يتحدث الآخر عن خدمات مدمجة. ويقرّ الطب بأنّه لا مفر من العزل، لأنّ المجتمع لا يتغير، بينما يركز النموذج الاجتماعي على الحقوق الفردية ويؤمن بأنّ المجتمع يتغير. لا يجد الطب جواباً عن سؤاله: «كيف نغيّر سلوك الطفل الذي يملك حركة مفرطة؟»، بينما يقدم النموذج الاجتماعي أجوبة بشأن مساندة الطفل بتوفير التدريب للموظفين المتخصصين لدعمهم في إدارة السلوك الإيجابي.

من جهتها، شددت رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء د. ليلى فياض على أن وزارة التربية مهتمة بتعزيز النظام التعليمي الدامج للحد من المخاطر التي تؤدي إلى التسرب المدرسي، مقرّة بأن نسبة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مرتفعة، و«لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي». وقالت مديرة المجلس الثقافي البريطاني بارباره هيويت إنّ المدارس الشاملة للجميع أو الدامجة هي الركيزة الأساسية للمجتمعات، « فالإدراك في سن مبكرة بأن إشراك الجميع هو احتضان للتنوع لا يخدم ذوي الاحتياجات الخاصة فحسب، بل كل الأطفال وذويهم ومعلميهم».

 فاتن الحاج
 جريدة الاخبار

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل